الثلاثاء، 15 نوفمبر 2011

الدبلوماسية الروسية نسر ذو رأسين



أُستخدمت صورة النسر ذي الرأسين مراراً في التاريخ، و و لكنها ارتبطت أكثر ما ارتبطت بالأمبراطورية البيزنطية و بخليفتها الإمبراطورية الروسية كرمز لقوتها و عظمتها و كتعبير عن ثنائية سلطة الإمبراطور المدنية و الدينية. و لكن عندما تخلص السوفييت من الإمبراطورية الهرمة تخلصوا من كل بقاياها بما فيها هذا الرمز مستبدلين إياه بعلامة المنجل و المطرقة. إستعاد بوريس يلسين صورة النسر ذي الرأسين كرمزاً للدولة الروسية، و ذلك تعبيراً عن حنينه للإمبراطرية  الغابرة ودلالة على شوقه لإعادة نفوذ روسيا على الشرق و الغرب، و لكنه وضع عليه ثلاثة تيجانٍ كرمزٍ للسلطات الثلاث أعني التنفيذية و التشريعية و القضائية.

مع إستلام دميتري ميدفيديف لرئاسة الدولة عادت صورة النسر ذي الرأسين لتتكرر عند التكلم عن الحكومة الروسية، أما الرأسان هذه المرة فلم يعودا يرمزان إلى الدولة و الكنيسة أو إلى الشرق و الغرب، بل إلى رأسي السلطة الروسية أعني رئيس الجمهورية  دميتري ميدفيديف و رئيس مجلس الوزراء فلاديمير بوتين. إذ إن بوتين بعد أن حكم روسيا فترتين رئاسيتين (ثماني سنوات)، و لم يعد بإمكانه الحكم لفترة رئاسية ثالثة على التوالي عمل على إنجاح تلميذه و حليفه ميدفيدف في الإنتخابات الرئاسية. و لكنه في الوقت عينه  لكي لا يترك الحكم استحوذ على رئاسة حزب روسيا المتحدة الذي تأسس بمباركته في عام 2001، و الذي له ثلثي أصوات الدوما، و بذلك ضمن بقاءه في الحكم كرئيس لمجلس الوزراء. هكذا أصبحت روسيا محكومة برئيس جمهورية ليبرالي منفتح و ذي نزعة إصلاحية على النمط الغربي و كاريزما من نوع خاص. و لكن في الظل هناك رئيس مجلس وزراء محافظ، نظرته إلى روسيا شبه شوفينية، و هو يعتبر نفسه أباً لروسيا الحديثة، و أعوانه متغلغلين في كل مفاصل الدولة الروسية و كأنه إخطبوط بثمانية أذرع.

لم تكن العلاقة بين بوتين و ميدفيديف قائمة على خضوع أحدهما للآخر، فلا التلميذ خضع لمعلمه و لا المواطن الأول خضع لرئيس دولته، بل قامت العلاقة بين الإثنين على شبه لعبة شد حبل ودية يستمتع كلاهما بلعبها، فكل واحد يريد أن يسحب الحبل لجهته و لكن من غير أن يمزقا الحبل أو يُزعل أحدهما الآخر.

هكذا ظهر التباين بين الإثنين منذ البداية، فبينما كان بوتين يتهم الولايات المتحدة "بأنها أدخلت العالم من لُّجة نزاع إلى أخرى."، كان ميدفيديف يتصل بالرئيس أوباما ليهنأه على حصوله على جائزة نوبل مادحاً العلاقة بين روسيا و أمريكا القائمة على "مبادئ المساواة و الإحترام المتبادل لمنفعة السلم العالمي و الإستقرار". و أيضاً لم يتوان ميدفيديف في خطابه الرئاسي عن حال الإتحاد في شهر تشرين الثاني عام 2009 عن توجيه بعض النقض للحكومة التي يرأسها بوتين بقوله أنه على الحكومة أن تعترف بالخطأ بسبب الصعوبات الناجمة عن الأزمة الإقتصادية، و بدعوته إلى سياسة خارجية أقل رعونة.

و لكن تجسدت هذه الثنائية في السياسة الروسية، أكثر ما تجسدت في موقف روسيا من الربيع العربي، ففي الطرف الأول يقف ميدفيديف و مبعوثه للشرق الأوسط و شمال أفريقيا ميخائيل ميرغيلوف و في الطرف الثاني هناك بوتين و وزير الخارجية سرغي لافروف.

هكذا عندما صدر قرار من مجلس الأمن في شهر آذار الماضي يدين ليبيا و يفرض عليها حظراً جوياً، سارع بوتين إلى القول أن هذا القرار هو "دعوة لحملة صليبية من العصور الوسطى"، بينما رد عليه ميدفيديف بإمتعاض قائلاً أن هذا القول غير مقبول و يقود على حد تعبيره إلى "صراع حضارات"، ثم أكد ميدفيديف موقفه هذا عند إنضمامه إلى مجموعة الثمانية في دعوة القذافي للتنحي عن الحكم في ختام القمة التي اعقدت في مدينة دوفيل في فرنسا في شهر أيار. على صعيد مماثل بينما كان لافروف يدين إرسال فرنسا و بريطانيا لطائرات لتطبيق الحظر الجوي على ليبيا، كان ميرغيلوف يقول أن القذافي "فقد كل حقٍ أخلاقي بالبقاء في السلطة" بعد أن أطلق النار على شعبه و قصفه بالقنابل.
 
في الحقيقة نبع هذا الإختلاف في رؤية الفريقين للأزمة الليبية من إختلاف رؤيتهما للأخلاقيات السياسية  و لتباين نظرتهما للواقعية السياسية، فبينما يرى ميدفيدف أنه من دواعي الأخلاق أن يتنحى الرؤوساء عن الحكم عندما لا يستطيعون تأمين حاجات شعوبهم، وأنهم يفقدون شرعيتهم إذا مارسوا العنف ضد أبناء بلدهم، يرى بوتين أن الدول لها إستقلاليتها و لا يحق لأحد التدخل بشؤونها الداخلية. أما فيما يتعلق بمفهوميهما للواقعية السياسية فكلاهما يؤمن أن روسيا يجب ألا تنعزل عن العالم و ألا تدعم الحكام الديكتاتوريين حتى النهاية على حساب مصلحة روسيا.  و لكنهما يختلفان على تحديد الوقت المعقول الذي يمكن إعطاءه لهؤلاء الحكام قبل التخلي عنهم. فبينما يرى ميدفيديف أن الحكام الديكتاتوريين هم ساقطون حتماً إذا لم يتبعوا إصلاحات سريعة و فورية، و أن مصلحة روسيا هي في الوقوف بجانب الشعب لأنه هو الباقي، فإن بوتين و أعوانه ينظرون إلى أن الأنظمة و الدول يركضون وراء روسيا إذا لم تقف بجانبهم  في وقت الأزمات.

هكذا إستمرت هذه الثنائية في تعامل روسيا مع الثورة السورية. فبينما كان ميرغيلوف يقول لوفد المعارضة الذي زار موسكو في شهر حزيران الماضي برئاسة رضوان زيادة كلاماً مشجعاً "القادة تأتي و تذهب، السياسيون يأتون و يذهبون، الأنظمة الإجتماعية تأتي و تذهب و لكن ما يبقى صديقٌ وحيد موثوقٍ و دائم هو الشعب السوري"، كان لافروف يكرر إسطوانة النظام السوري قائلاً أن بين المتظاهرين "هناك الكثير من المشاغبين المسلحين" و تابع "أعتقد أنه ليس هناك من دولة تتحمل هذا التمرد الواضح"، ثم أردف أن قوى الأمن السورية تحاول تخليص المناطق السكنية التي يسيطر عليها عدد هائل من المسلحين. وبينما كان ميدفيديف يقول أنه إذا كان الأسد لا يستطيع الإصلاح فعليه التنحي، كان بوتين يحذر من التدخل في الأمور الداخلية لسوريا.

و السؤال الذي يطرح نفسه الآن لماذا إستطاع ميدفيديف و فريقه أن يجعلوا رؤيتهم تغلب في الملف الليبي، بينما يبدو أن بوتين و حاشيته يهيمنون على آلية إتخاذ القرار فيما يتعلق بالقضية السورية؟ للجواب على هذا السؤال يجب أن نبتدأ بتحليل الموقف الروسي من قرار مجلس الأمن 1973 . فروسيا لم توافق على ذلك القرار بل إمتنعت عن التصويت، و كان ذلك لسبيبين، أولهما الإنقسام في الموقف تجاه هذا القرار داخل الإدارة الروسية، و ثانيهما توجيه رسالة للغرب مفادها بينما لا تدعم روسيا نظام القذافي و هي توافق على حماية الشعب الليبي فإنها تسجل إعتراضاً على حيثيات القرار. أما الحيثية الأهم التي لم تستحبذها روسيا -و بالتخديد بوتين-  فكانت تضمن القرار على عبارة "العمل على تنفيذ القرار بكل الوسائل"- فهذ العبارة  تُبقي المجال مفتوحاً لكل الإحتمالات و من بينها العمل العسكري، أمرٌ لايفضله بوتين الذي يرغب في التحكم بكل شئ و لا يترك أي شئ لنوايا الآخرين التي لا يثق بها..

و لكن ما أثار غضب بوتين لم يكن القرار بحد ذاته، بل الطريقة التي تعامل بها ساركوزي مع هذا القرار. فساركوزي بعث بثلاث طائرات حربية لتقذف دبابات ليبية متوجهة إلى بنغازي ثلاث ساعات قبل بدء الحملة العسكرية الرسمية على ليبيا بدون أن يُخبر قادة دول الناتو، و ذلك ليضع بصمته على هذه الحملة أو بكلام آخر ليعلن نفسه نابليوناً جديداً. هذا هذا ما أثار حفيظة تركيا فأعلنت على لسان رئيسها أن بعض الدول تتصرف بإنتهازية و "تظهر سلوكاً أرعناً مما يثير شكوكاً من دوافع خفية"، و أغضب رئيس الوزراء الإيطالي في ذلك الحين سيلفيو برلسكوني -صديق بوتين الشخصي-  دافعاً إياه ليهدد بمنع الناتو من إستخدام القواعد العسكرية الموجودة في إيطاليا و متهماً ساركوزي بإستغلال الناتو. إذاً كيف لكل هذا ألا يثير حنق بوتين، فهل لقيصرٍ أن يقبل بنابليون جديد، و هو ضابط الإستخابرات السوفيتي السابق و الذي يطمح بإستعاد الإرث السوفيتي، فمثل هذا الفعل ما كان ليحدث أيام الحرب الباردة، و لو حدث لأشعل صفارات الإنذار و و أشغل خطوط الهاتف السرية  في كل أنحاء العالم.

إن هذا ما جعل بوتين و أعوانه يستعيدون سيطرتهم على آليات القرار في مجلس الأمن القومي الروسي ساحبين البساط من تحت ميدفيديف و فريقه. هكذ أصبحت و زارة الخارجية الروسية برئاسة لافروف و مساعده ميخائيل بوغدانوف و طبعاً من ورائهما بوتين  تهمين على الملف السوري، فإذاً ما هي المنهجية التي تتبعها وزارة الخارجية الروسية مع القضية السورية.

وفقاً لعقيدتها في الواقعية السياسية حاولت وزارة الخارجية الروسية البوتينية الهوى أن تعطي حليفها و قتاً معقولاً -بحسب مفهومها لما هو معقول- لهذا حاولت أن تحميه بقدر ما إستطاعت من الضغط الغربي. و لكنها في بحثها عن حُجةٍ تبرر بها أمام المجتمع الدولي دفاعها هذا عن نظام الأسد وجدت ضالتها في حادثة جسر الشغور حيث قتل أهل الجسر 120  جندياً و في الحوادث التي تلت في حمص و التي تورط فيها مدنيون مسلحون. إذ من خلالها بدأت تحتج أن حوادث سوريا ليست ثورة سلمية، بل هي عصيان مسلح، و إبتداء لافروف يروج لحجة العصابات المسلحة و كأنه أحد شبيحة النظام.

و لكن بالرغم من ذلك فإننا يجب أن ندرك أن روسيا لن تدعم الأسد حتى النهاية، فبوتين لا يحب الأغبياء و لا الخاسرين، و الآن و خصوصاً بعد إدانة جامعة الدول العربية له فإن بشار الأسد يبدو غبياً و خاسراً. ثمّ إن روسيا كانت تعوّل على الحوار بين نظام الأسد و المعارضة لإيجاد مخرج للأزمة السورية الحالية من دون اللجوء إلى تدخلٍ خارجي، و هي وجدت في المبادرة العربية ضالتها، و لكن مع فشل المبادرة و وضع جامعة الدول العربية مسؤولية هذا الفشل على النظام، فإن أي فكرة لحوارٍ مثل هذا قد زالت نهائياً. إذاً لم يبق أمام روسيا و العالم  سوى إقناع الأسد بالتخلي عن الحكم لمنع حدوث أي حرب أهلية و لتجنب الحاجة لأي تدخل خارجي. هذا هو عينه جوهر الرسالة التي يجب أن يوجهها للإدارة الروسية -و بالتحديد للافروف وزير الخارجية الروسية- وفد المجلس الوطني السوري الذي يزور موسكو في الآن.

الجمعة، 11 نوفمبر 2011

هكذا ماتت المبادرة العربية، فماذا بعد؟



عندما حاولت الدول الخليجية تجميد عضوية النظام السوري في الجامعة العربية لاشك أنها كانت صادقة في ذلك. و هي إندفعت إلى ذلك لأنها ملّت من نظام لا يفهم و لا يتفهم، فهذه الدول كانت تحت ضغوط كبيرة أولها من شعوبها التي كانت ترى أخوتها و شركائها في الإيمان تُذبح على يد نظام تراه دخيلاً على هذا الإيمان، وثانيها الضغوط من الدول الغربية التي لم تستطع معاقبة هذا النظام على أفعاله المثيرة للإشمئزاز عبر المحافل الدولية نتيجة النقض الروسي، لذلك أرادت أن تحرج روسيا عبر إدانة عربية لهذا النظام. وهي أرادت أيضاً من خلال هذه الإدانة أن تعطي ضوءً أخضر لتركيا لتقوم بمزيد من الإجراءات لتزيد عزلة النظام السوري.

لم يكن مستغرباً عدم نجاح محاولة التجميد هذه، فمثل هذا القرار أتخذ مرتين فقط منذ نشأت جامعة الدول العربية. المرة الأولى كانت عندما وقعت مصر إتفاقية كامب ديفيد، و فعلت الدول العربية هذا لإرضاء شعوبها التي لم تكن جاهزة لمثل هذه الإتفاقية. أما المرة الثانية  فكانت عندما علقت الجامعة عضوية ليبيا  قبل بضعة أشهر، إذ كان هناك إجماعاً دولياً للتخلص من نظام القذافي. غير أن مثل هذا الإجماع لم يتوفر بعد في حالة الأسد، مما أعطى بعض الدول العربية الفرصة لرفض هذا التجميد . بالإضافة لهذا فإن هذا التعليق كان يتطلب إجماع الدول العربية، و طبعاً بالإضافة لأمين جامعة الدول العربية نفسه -السيد نبيل العربي- ما زال هناك بعض الدول العربية التي لم تقتنع بعد بأن النظام السوري عليه الرحيل، لا بل إن بعضها سيدعمه على قدر إمكانه كالعراق، و ذلك لأسباب جيوسياسية معروفة.

هكذا و لما لم يكن من الممكن تجميد عضوية سوريا في الجامعة، لجأ وزراء خارجية دول الخليج و بالتحديد وزير خارجية قطر الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني -إذ إنه كان قائد الجوقة الساعية  لمعاقبة الأسد- إلى الخطة رقم 2 .  و تضمنت هذه الخطة شروطاً من الصعب أن يقبلها النظام السوري كأن يتضمن وفد المعارضة معارضين من الداخل و الخارج و أن تجري المفاوضات بين النظام و المعارضة  في مقر الجامعة العربية و برعايتها، و أيضاً وضع مهلة ١٥ يوم للتنفيذ، و أخيراً سمى قطر كمراقب على تنفيذ الدعوة.

لم تكن توقعات وزير خارجية قطر بالخاطئة، فقد سارع السفير السوري لدى الجامعة العربية يوسف أحمد إلى إعلان رفض سورية للبيان جملة وتفصيلا و أن يعتبره عملاً عدائيا وغير بناء في التعامل مع الأزمة السورية. ثم تجاهل النظام السوري المبادرة العربية كلية و استمر بممارسة أعمال العنف و القتل و قصف المدن، أو بالأحرى تعمد تصعيدها أملاً منه بالقضاء على الثورة خلال مهلة الخمسة عشر يوماً التي أعطيت له، كل هذا ليدل على أن النظام لا  يؤمن إلا  بالحل الأمني حتى النهاية. و لكن هيهات فتصميم الشعب على أخذه حريته بيديه هي أقوى من جبروت الآلة العسكرية للنظام.

استمر تجاهل النظام السوري للمبادرة العربية حتى بعد زيارة اللجنة الوزارية المكلفة بمتابعة الوضع في سوريا لدمشق في 26 تشرين الأول و برغم طلبها جواباً رسمياً من سوريا على المبادرة العربية، إذ إنه خُدع بالودية التي أبداها أعضاء اللجنة خلال هذه الزيارة بمن فيهم رئيسها الشيخ حمد بن جاسم. هكذا لما أتى الوفد السوري إلى لقاء اللجنة الوزارية في الدوحة في 30 تشرين الأول لم يأت بجواب رسمي، بل أتى بمجموعة من التحذيرات و من ضمنها تهديد الأسد بحصول زلزال كبير في المنطقة إذا سمحت الجامعة العربية بتدخل الغرب في سوريا.

غير أنه عندما ردّ الشيخ حمد بن جاسم على تهديد الأسد بقوله أن المنطقة الآن "كلها معرضة إلى عاصفة كبيرة ومن المهم أن يعرف القادة العرب كيفية التعامل معها ليس بالاحتيال أو باللف أو الدوران وإنما بالإصلاح الجاد الذي يخدم الشعوب." و أيضاً عند أكد أن مجلس الجامعة العربية في اجتماعه الأربعاء (2 تشرين الثاني) "سيكون سيد قراره في هذه الموضوع،" وأن اللقاء سيحصل "سواء تم الاتفاق على الورقة أو لم يتم." أدرك النظام السوري عمق الهوة التي هو فيها.

هكذا عمل النظام السوري على تدارك نفسه، فجهزخلال 24  ساعة مجموعة من التعديلات التي تتيح له التعامل مع المبادرة بتغيير مصطلحات مثل استبدال سحب الجيش بإنهاء كل المظاهر المسلحة في المناطق الآهلة بالسكان، واستبدال وقف عمليات قتل المتظاهرين بوقف العنف من كل الاطراف والافراج عن معتقلين من الازمة الراهنة بدلا من كل المعتقلين و ترك مكان الحوار غير محدد. و تم إقرار هذه التعديلات بعد أن أصّر الوفد السوري على مقابلة أمير قطرالشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الذي لم يدرك تماماً الفخ الذي كان حضره وزير خارجيته للنظام السوري، فأُفرغت المبادرة العربية من محتواها، و تابع النظام السوري سياسية القتل و قصف المدن. هكذا اعتبر وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه أن مبادرة الجامعة العربية للحل في سوريا قد «ماتت»، مؤكدا أن الدول العربية تتحمل مسؤولية «كبرى» تجاه الوضع في سوريا.

أما كيف تعامل المجلس الوطني السوري مع المبادرة فهذا حديث يطول، و لكن بإختصار سنحت للمجلس العديد من الفرص ليصوّب سهاماً في قلب النظام و ويعمق الشرخ  بين  النظام والدول العربية فلم يستغلها. و أيضاً ظهر المجلس و كأنه لا يتفهم الواقع و محدوديات الدول و الجامعة العربيتين فيما يمكنهما تقديمه له و للثورة السورية، مما جعل بعض الأطراف العربية المؤيدة له تتململ منه، و دعا أمين عام الجامعة العربية للإجتماع بفصائل أخرى من المعارضة السورية، و كأنه يوجه رسالة غير مباشرة للمجلس ليكون أكثر حذراً و أكثر دبلوماسية.  و جاء إعتداء أنصارالمجلس الوطني على أعضاء من هيئة التنسيق الوطنية أثناء دخولهم لمقابلة أمين الجامعة العربية، لتشوه سمعته و سمعة الثورة السورية بعض الشئ.

كل هذا يجعلنا ننتظر ببعض القلق و التوجس البيان الذي سيصدر عن الإجتماع الطارئ لجامعة الدول العربية الذي سيجري السبت القادم، و نتساءل "ماذا بعد؟"

الخميس، 10 نوفمبر 2011

الضرورة الملّحة لمزيدٍ من وحدة المعارضة السورية



هناك أنماط متعددة لوحدة الأحزاب أو الفصائل السياسية، و لكن بشكل عام  يمكن تصنيفها بنمطين أساسيين: الوحدة الإندماجية و الوحدة الإتلافية. في الوحدة الإندامجية تبغي الأحزاب تشكيل كيان واحد جديد ذي ديمومة  يستبدل الكيانات المتعددة السابقة، و يكون له فكر واحد و برنامج سياسي واحد بعيد المدى و هيكلية تنظيمية و تراتبية واحدتان، و هكذا تندمج القواعد و المؤسسات الحزبية السابقة في قاعدة و مؤسسات حزبية جديدة. واحد من أهم الأمثلة على هذه الوحدة الإندماجية هو اندماج حزب "التحالف الكندي" - و كان يمينياً متشدداً - مع "الحزب المحافظ التقدمي الكندي" - و كان يمينياً معتدلاً  - في عام ٢٠٠٣ و الذي نجم عنه حزب جديد باسم "الحزب المحافظ الكندي"، و الحزب الجديد حمل أفكاراً هي في الوسط بين أفكار الحزبين اللذين أساساه، ومن غير هذا الإندماج لم يكن ممكناً للمحافظين أن يربحوا انتخابات عام ٢٠٠٥  و هم مازالوا في الحكم حتى الآن 
.
أما في الوحدة الإتلافية فتجتمع الفصائل و الأحزاب السياسية تحت مظلة واحدة من أجل التنسيق و التعاون و التعاضد لإنجاز هدفٍ عملي ذو أجل وقتي، كربح إنتخابات أو قيادة مرحلة إنتقالية، لهذا فإن هذا الإتلاف وقتي، ينفك عقده مع تحقيق الهدف المنشود أو عند حصول خلافات لايمكن التوافق عليها بين فصائله. لهذا هو لا يحتاج إلى وحدة كلية بالفكر أو بالبرنامج السياسي البعيد المدى أو اندماج بالهيكلية التنظيمية أو التراتبية أو بالمؤساسات أو القواعد الجماهرية. لا بل يتطلب توحد رؤية لماهية الهدف المرحلي الوقتي المحدد الذي من أجله اجتمعت هذه الفصائل و آلية تحقيقه. و لهذا تشكل هذه الفصائل  قيادة للإتلاف مهمتها إدارة المعركة لصياغة الأطر العملية لتحقيق هذا الهدف و للإشراف على تنفيذها. أما هذه القيادة فتتكون من ممثلين عن الفصائل المشكّلة للإتلاف و يكون حجم التمثيل على مبدأ المحاصصة بحيث يتناسب تمثيل كل فصيل مع القوة الجماهيرية و العملية لهذا الفصيل. و يمكن أن تتفرع عن هذه القيادة مؤسسات و هيئات خاصة بالإتلاف مستقلة عن الهيئات و المؤسسات التابعة لكل فصيل من فصائله. مثال على هذا النوع من الإتحاد هو الإتلاف الحاكم في بريطانيا الذي يجمع "الحزب المحافظ" و  حزب "الديمقراطيين الليبراليين"  و اللذان يختلفان بالعقيدة فأحدهما محافظ و الآخر ليبرالي و إنما اجتمعا ليوقفا تقدم "حزب العمال". مثال آخر هو إتلاف روسيا الأُخرى” و الذي يجمع أحزاباً من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار و أيضاً منظمات حقوقية، و هي اتحدت  لتقف في وجه حكم "بوتين" و شركائه 
فأي نوعٍ من أنواع  الوحدة هذه نريد للمعارضة السورية؟ في الحقيقة أننا عندما نتحدث عن وحدة المعارضة فإننا نعني وحدة إتلافية لا و حدة إندماجية. فإننا نريد لفصائل المعارضة أن تبقى مختلفة بمبادئها الفكرية مع أننا نرغب منها جميعاً أن تليّن من تحجرها العقائدي، لأن هذا التمايز الفكري إنما يعكس التنوع الفكري الطبيعي لأطياف الشعب السوري، و أيضاً لأن هذا التمايز هو مصدر غنى و حيوية داخل المجتمع السوري. و لكننا نريد من الفصائل التي وضعتإسقاط النظام سقفاً لها أن تتحد جميعاً تحت مظلة إتلاف واحد، فتتعاضد و تتعاون من أجل هذا الهدف. هذا الهدف الذي اختاره الشعب الثائر أيضاً سقفاً له. و بعد تحقق هذا الهدف نريد للأحزاب السياسية ذات الرؤى السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية المختلفة أن تنفصل وفقاً لتياراتها الفكرية لتتنافس في انتخابات حرة. إذ إننا كسوريين نرغب بأن يكون لنا خيار التصويت على أفكار و رؤى مختلفة نختار منها ما يعبّر عن آمالنا و تطلعاتنا .
  
قبل أن أتحدث عن أين تقف المعارضة من هذه الوحدة الإتلافية التي ذكرتها أنفاً، دعونني أحدد ماذا نعني باسقاط النظام. فاسقاط النظام يعني دفع الطغمة الحاكمة للتخلي عن الحكم و تقديم رؤوسائها و كل من ثبت أنه تورط مباشرة بدماء السوريين لمحاكمات عادلة، كل هذا مع الحفاظ على مؤسسات الدولة بما فيها الجيش، أما التركيبة الطائفية لهذا الجيش فيجب التعامل معها بطريقة حكيمة من قبل حكومة جديدة بعد انتخابات ديموقراطية. و أما الأجهزة المخابراتية فيجب لجم جماحها و منعها من التدخل في الحياة اليومية للمواطنين، على أن يتم تحويلها فيما بعد إلى هدفها الحقيقي و هو التجسس على الدول و المؤسسات الأجنبية. و أما الموالين للنظام و أتباعه فيجب عدم الإنتقام منهم، إذ نعرف أن أكثرهم يتبع النظام بسبب مصالح وقتية أو خوفاً من النظام أو خوفاً من المجهول، إذ إننا لن نتبع سياسة مشابهة لسياسة "التطهير" التي أتبعت بعد سقوط "حكومة فيشي" في فرنسا أو سياسة "اجتثاث البعث" التي اتبعها الأمريكيون بعد غزو العراق، بل سنتبع سياسة مشابهة لتلك التي اتبعها "مانديلا" بعد سقوط حُكم "الأبارتيد" عندما أسس ما أسماه "هيئة الحقيقة و التراضي"، فكل من لم يثبت أنه تورط مباشرة أو أعطى أمراً صريحاً بقتل السوريين الأبرياء فلن يعاقب، أما من اقترف هذا الجرم فإن كان من مناصري النظام أو معارضيه فستتم محاكمته في محاكم رسمية و وفقاً للقانون.

و لكن القضية الإشكالية التي تختلف عليها الفصائل التي اتخذت إسقاط النظام هدفاً لها ما زالت هي آليات هذا الإسقاط، فبينما ترى بعض الفصائل في العمل العسكري الدولي خيارها الأفضل، فإن بعضها الآخر يرى نقيض ذلك. و الحال أنني شخصياً لا أحبذ هذا الحل لأسباب عدة. من أول هذه الأسباب أن السوريين غيورون جداً على بلدهم، و هم سيرون في أي عمل عسكري مهما كانت طبيعته ليس فقط حرباً على النظام بل أيضاً اعتداءً على وطنهم و ليس أداة لتحريره. و لهذا سيصدقون ادعاءات النظام و سينظرون-بما فيهم الأغلبية الصامطة- إلي النظام على أنه ضحية لقوى أجنبية غاشمة -تماماً أن بلدهم هو ضحيّة- و هكذا سيلتفون حول النظام و سيصبح رمزاً لقضيتهم الوطنية. ثانياً إن أي عمل عسكري قد تكون له نتائج كارثية ليس فقط على البنية التحتية للبلد بل أيضاً على الأرواح، فأي ضربة طائشة قد يكون ثمنها كبيراً نظراً للكثافة السكانية العالية في بعض المناطق. و أيضاً فإن النظام بطبيعته انتقامي، لذلك فإنه من السذاجة بمكان الإعتقاد بأن النظام سيكتفي بالدفاع عن نفسه إذا ما هوجم، إذ إنني أرى أن أول ماسيفعله النظام هو الإنتقام من الشعب الثائر، إننا نرى عينة عن هذه الروح الإنتقامية بإعتقاله لأقارب خصومه السياسيين و تعذيبهم ، و أيضاً بإرساله عناصر حزب العمال الكردستاني للإعتداء على الجنود الأتراك عند أي ضغط إضافي تمارسه عليه تركيا. و أخيراُ و ليس آخراً فإذا ما نظرنا إلى هذا الموضوع من خلال معايير الواقعية السياسية فسنجد أن فكرة العمل العسكري غير ممكنة، فروسيا تعترض على هذا الموضوع قلباً و قالباً و ذلك لأسباب بعضها و معقول و و بعضها الآخر غير واقعي. لهذا فإنني أدعو أصدقائي من المجلس الوطني بالتفكير جدياَ في موقفهم من هذا الموضوع و بالتوقف عن الدعوة إلى أي عمل عسكري جهاراً  إذ إن ذلك سيؤدي إلى نفور بعض السوريين من المجلس و الثورة معاً و أيضاً إلى مواقف عكسية نحو الثورة من قبل بعض الدول العالمية و أهم من ذلك إلى المزيد من الخلافات و التشتت بين فصائل المعارضة.

دعونا الآن نقوّم إلى أين وصلت وحدة المعارضة وفق معيار الوحدة الإتلافية الرامية إلى إسقاط النظام و التي حددناه آنفاً في هذا المقال. لاشك أن المعارضة قطعت خطوات كبيرة -بالرغم أنها جاءت متأخرة بعض الشئ-  في طريق توحدها على الصعيدين التنظيمي و الفكري. فمن الناحية الفكرية و بعد أن ترددت كثير من الفصائل برفع شعار إسقاط النظام، ها هي بدأت تقتنع و تنادي به، كل هذا بعد أن اكتشفت أن النظام مخادع و معند على أي إصلاح. و لكن الرؤى لكيفية اسقاطه مازالت متباينة أو غير واضحة في بعض الحالات ، لذلك فإن  التحدي الآن هو بناء استراتيجية واضحة لإسقاط النظام تتفق عليها فصائل المعارضة كلها إذا أمكن.  أما على الصعيد التنظيمي فها نحن أمام فصيلين أساسيين من فصائل المعارضة هما هيئة التنسيق الوطنية و المجلس الوطني السوري بعد أن كنا نتكلم عن بضع عشرات من الفصائل من مدة ليس ببعيدة، كلا الفصيلان قاما على أساس إتلافي من أجل التعامل مع الأزمة السورية الحالية. إن هذا يعد إنجازاً كبيراً في تاريخ المعارضة السورية، هذه المعارضة التي طالما فتتتها الخلافات العقائدية و الشخصية و شلّتها فقدان الواقعية و الروح العملية، و لكن ها هي اليوم تتحلى بشئ من الرشاقة و الحيوية.

و كانت هذه الفعالية جلّية في المجلس الوطني السوري، إذ إنه استطاع أن يضم تحت لوائه فصائل ذات رؤىً فكرية متنوعة بعضها متشدد في يمينيته و بعضها الآخر واضح في يساريته و جزء ثالث يتراوح فيما بينهما، و هذا إن دلّ على شئ فهو يدلّ على أن الفصائل التي انضوت تحته تخلّصت إلى حد معقول من صلابتها العقائدية و اكتسبت واقعية سياسية. و الحال أن أهمية هذه المرونة العقائدية و الليونة السياسية لا تقتصر فقط على مرحلة اسقاط النظام، بل تمتد لما بعده، إذا إن هذه الفصائل إذا ما استمرت على هذه الواقعية و الليونة فإنها ستكون عامل استقرار في الحياة السياسية السورية على المدى المتوسط و البعيد، شئ لم يشهده هذا البلد الحبيب حتى في الفترات التي تمتع بها بدرجة معقولة من الديمقراطية أي في العقد و نيف الذي تلا الإستقلال
مجالٌ آخر تجلّت فيه فعالية المجلس الوطني هو المجال الدبلوماسي، فقد استطاع في أسابيع قليلة أن يحشد للثورة السورية و لنفسه تأيداً كبيراً على الصعيدين العربي و العالمي. هكذا رحبت به كثير من الفعاليات و الدول في آسية و إفريقيا و أوربة و أمريكا، و استضافته بعضها كتركيا، و اعترف به البعض الآخر كالمجلس الإنتقالي الليبي. و لم يقتصر الأمر على الإعتراف و الترحيب فطرحت الدول الخليجية مستجيبة لجهود منه فكرة تجميد عضوية النظام السوري في الجامعة العربية، و سلّمه المجلس الإنتقالي الليبي السفارة السورية في طرابلس ليقوم بالإشراف عليها بعد أن كان طرد أعوان النظام السوري منها ، و كأن الليبيين يعترفون به كحكومة في المنفى.
 
و السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو "هل هناك ضرورة لمزيدٍ من التوحد في صفوف المعارضة؟"، و الجواب على هذا السؤال هو "بلا أدنى شك، نعم". تنبع أهمية هذا التوحد من أربعة أسبابٍ رئيسية. أولها هو أنه بالرغم من الترحيب الذي لاقاه المجلس في العواصم العربية و العالمية فإنه سمع نصائح من بعض هذه العواصم تدعوه لتوسيع قاعدته الجماهرية  باتحاده مع قوى معارضة لها حضور كبير في الداخل .أما ثانيها فهو قطع الفرصة على النظام و بعض القوى العالمية المؤيدة للنظام من اللعب على الإختلافات بين أطراف المعارضة لإخماد شعلة الثورة. و ثالثها هو إيقاف المماحكات السخيفة التي شاهدناها في الأسابيع الماضية بين بعض الشخصيات المنتمية لأطراف متفرقة من المعارضة، فهذه المماحكات لن تؤدي إلا  إلى استنفاذ غير مجدي للطاقات و ربما أيضاً إلى نفور الشباب من الثورة. أما آخرها و أهمها هو أن الثورة السورية من خلال المجلس الوطني حققت أرباحاً مهمة على الصعيد الخارجي، بينما الوضع الداخلي يتجه إلى الصعوبة و التعقيد، فدعوات تسليح الثورة و أيضاً تشجيع النظام على هذا التسليح ساعدا على ظهور جماعات مسلحة أشبه بالعصابات، استغلت الفرصة لتمارس هوايتها في الخطف و التنكيل و القتل، مما شوّه بعض الشئ الصورة الجماهرية للثورة، و حوّل بعض المناطق كمدينة حمص إلى أشبه بساحة قتال و مسرح مصّغر لحرب أهلية .كل هذا يحتم على المعارضة رص صفوف الداخل للحفاظ على جذوة الثورة و نقاوتها و ليبعد عن البلد شبح حربٍ أهلية ممكنة.

الثلاثاء، 18 أكتوبر 2011

باكورة الإنجازات الدبلوماسية


بالرغم من أن الدول العربية لم تصوت لصالح تعليق عضوية سوريا في الجامعة العربية، فإن اجتماع الجامعة الذي جرى الأحد الماضي شكل إنجازاً  دبلوماسياً مهماً للثورة السورية بشكل عام و  للمجلس الوطني السوري بشكل خاص، إذ إن البيان الختامي وضع النظام في زاوية يصعب عليه الخروج منها دون تنازلات مرّة، و أعطت المجلس الوطني السوري فرصة للمناورة الدبلوماسية.

 لم يكن أكثر المحللين تفاؤلا و لا الدول التي سعت لعقد الإجتماع تتوقع أن ينجح التصويت على تعليق عضوية النظام السوري في الجامعة العربية، و هذا ما باح به أمين الجامعة عينه حتى  قبل انعقاد الإجتماع. فالحقيقة أن إقرار مثل هذا التعليق يتطلب موافقة كل أعضاء الجامعة عليه، و كان من البديهي التفكير أن هناك دولاً عربية لن توافق على مثل هذا التعليق، إذ إن بعضها يخاف من أن  يعاني من نفس مصير النظام السوري كاليمن الذي يعاني من أزمة مشابهة  للأزمة  السورية  و الجزائر التي تخشى من مثل هذه الأزمة ،  و بعضها  الآخر جيرانه الذين يخافون من غضب جارهم القوي إذا تحركوا ضده أو من آثار سقوطه إذا هو انهار كلبنان و العراق.

لهذا فإن مجرد حدوث اجتماع استثنائي للجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية لبحث الأوضاع  في سوريا  كان انجازاً مهماً للمجلس الوطني السوري،  فهذا الإجتماع الطارئ تمّ بناء على دعوة من مجلس التعاون الخليجي بعد جهود دبلوماسية دؤوبة قام بها المجلس الوطني السوري . هكذا شكل هذا الإجتماع باكورة النجاحات الدبلوماسية  لهذا المجلس الوليد الذي لم يمضي على تأسيسه أكثر من أسبوعين معلناً أنه بشير لإنجازات عديدة آتية.

 أما تجاوب دول الخليج مع هذه المبادرة فهو قبل كل شئ يعبّر عن تململ هذه الدول من نظامٍ قاسٍ عنيد لا يدرك و لا يفهم، حاولت أن تُفّهمه بالكلام و النصح فلم يفهم، ثم حاولت أن  تُعبّر له عن امتعاضها منه بأفعال رمزية كسحب سفرائها من عنده فلم يعتبر. هكذا لم تجد بُدّاً من  تشجيع معارضة كانت حتى الآن ضائعة في متاهة الإنقسامات و الإنشقاقات، ثم اجتمعت معظم فصائلها تحت لواء المجلس الوطني السوري. هذا المجلس الذي ابتدأ ينظم صفوفه و يرتب أعماله و يقوم بمبادراته التي فيها شئ من الذكاء و الجسارة و أيضاً اكتسب قاعدة شعبية واسعة. هكذا رأت فيه دول الخليج  مفاوضاً و معيناً في آنٍ معاً لنظامٍ لم يعد قادراً على الخروج من الأزمة لوحده، أو لربما أرادت أن  يراه هذا النظام كتهديداً فيختشي و يتعظ، أو رغبت أن تقدمه كبديلاً لنظام لم يعد استمراره يعني إلا الخراب و الدمار. كل هذا إن عنى شيئاً فهو يعني أن اعتراف دول الخليج الرسمي بهذا المجلس ككمثل للمعارضة و الثورة السوريتين أصبح و شيكاً خصوصاً بعد ترحيب العديد من فعاليتها و مسؤوليها به.

و على نحوٍ شبيه جاء البيان الختامي داعياً النظام إلى التفاوض مع معارضيه في الداخل و الخارج  فوضع النظام بتناقض مع الدول العربية، فالنظام لا يعترف أصلاً بوجود معارضة في الخارج، و هو إذا اعترف بوجودها يعتبرها عميلة و عدوة. بالإضافة لذلك فإن هذه الدعوة تشكل بينة غير مباشرة على أن الدول العربية تنظر إلى المجلس الوطني السوري على أنه  الفصيل الأساس في المعارضة السورية أو لربما هو الممثل لهذه المعارضة، إذ إنها بتأكيدها على ضرورة إشراك معارضة الخارج في الحوار أعطته دور الطليعة في التفاوض مع النظام فهو الوحيد الذي له وجوداً قوياً في الداخل و الخارج، و هذا نقيض ما أراده النظام الذي ينظر إلى هذا المجلس على أنه غريمه الأول، و لهذا عمل جاهداً على  صنع معارضة في الداخل على مقاسه  ليتحاور معها أو بالأحرى ليتآمر معها على الشعب..

و فوق كل هذا فلقد تمت صياغة البيان الختامي لإجتماع الجامعة العربية على شكل قرار تضمن متطلبات محددة ومهل لتنفيذ هذه المتطلبات و مراقبين على هذا التنفيذ، ومن بين هذه المتطلبات و المهل و المراقبين أن يتضمن وفد المعارضة معارضين من الداخل و الخارج و أن تجري المفاوضات بين النظام و المعارضة  في مقر الجامعة العربية و برعايتها، و أيضاً وضع مهلة ١٥ يوم للتنفيذ، و أخيراً سمى قطر كمراقب على تنفيذ الدعوة.  فكل هذا هو جرعة صعبة البلع على نظام شديد الحساسية على سيادته.  فهذا النظام يعتبر أن كل المواطنين السوريين جزءاً من ملكيته، فكيف لعبيد أن يجلسوا على طاولة واحدة مع السيد ليفاوضوه، فالعبيد عليهم فقط أن يسمعوا و يطيعوا، و أما هؤلاء الذين يدعوهم عملاء و خونة فعليهم أولاً أن يعلنوا توبتهم قبل أن يقبل بأن يرضى عنهم السيد و يسمح لهم بدخول بيت الطاعة.  أما بالنسبة للمهل و المراقبين فالسيد لا يتعرف عليها أبداً إذ إنها ليست من قاموس كلماته.  لهذا لم يكن مستغرباً أن يعلن السفير السوري لدى الجامعة العربية يوسف أحمد رفض سورية للبيان جملة وتفصيلا و أن يعتبره عملاً عدائيا وغير بناء في التعامل مع الأزمة السورية.

إن كل هذا شكل فرصة للمجلس الوطني السوري ليلعب لعبة سياسية حاذقة، فعبر بلسان مسؤول العلاقات الخارجية فيه عن ترحيبه بهذه المبادرة و بأي مبادرة تساعد على وقف حمام الدم جاعلاً النظام يبدو أرعناً متصلفاً قاسياً غير آبه بحياة السوريين، و بهذا فهو سيضع كل اللوم على النظام عازلاَ إياه أكثر فأكثر عن محيطه العربي، و دافعاً الدول العربية لإزالة أي غطاء عنه، و مبيناً لحلفائه العالميين الذين يراهنون على حواره مع المعارضة لإطالة عمره بأن رهانهم خاسر، و أخيراً معطياً الذريعة للدول العالمية التي تريد التربص به لفرض عقوبات أشد عليه و ربما استصدار قرارٍ عالمي ضده.

الاثنين، 10 أكتوبر 2011

المعارضة السورية أمام امتحان دبلوماسي دقيق

تشكل الزيارة التي سيقوم بها وفدا المعارضة السورية المبعوثان من قبل الملجلس الوطني السوري و هيئة التنسيق الوطنية لموسكو يوم الثلاثاء القادم حدثاً ذو معنى خاص ، إذ إنه لا يدل فقط على أن المعارضة بدأت تكتسب ثقلاً عالمياً  و ربما على أن النظام قد بدأ يفقد معظم حلفائه في العالم و بالأخص حليفته الأكبر روسيا، بل لأنه أيضاً يشكل امتحاناً للحذاقة الدبلوماسية لجناحي المعارضة.

لقد ارتكزت سياسية روسيا في منطقة الشرق الأوسط على حماية حليفها النظام السوري، إذ إنه ليس فقط أحد زبائن صناعة أسلحتها و الذي يؤمن لها منفذاً عسكرياً على البحر المتوسط عبر قاعدتها العسكرية المتواجدة بالقرب من مدينة طرطوس، و لكنه أيضاً "بممانعته "العالية التكلفة لشعبه يبطئ الامتداد الغربي إلى الشرق الأوسط الذي لا تقدر روسيا على منافسته. هكذا حمت روسيا الأسد من العقوبات التي كانت الدول الغربية تنوي فرضها عليه عبر مجلس الأمن في عامي 2005 و 2006 عقب جريمة اغتيال الحريري، إذ قامت روسيا بالعمل على إيجاد حلٍ وسط يقوم على أساس تعاون الأسد مع التحقيق الدولي مقابل عدم وضع ضغط كبيرعليه. كل هذا أعطى الأسد فرصة لفك عزلته و تحسين وضعه الدولي.

حاولت روسيا اعطاء نظام الأسد الوقت للخروج من الأزمة السورية الحالية على غرار ما فعلت بعد اغتيال الحريري، فنصحته باجراء بعض الاصلاحات، ثمّ دافعت عنه بدعوى أنه يحتاج لوقت لتحقيق الإصلاحات التي وعد بها. وهي فعلت هذا متشجعة ببعض أطراف المعارضة التي كانت ترى أن التحول الديمقراطي لا يتطلب التخلص كلياً من النظام الحالي، بل يتطلب فقط التخلص من الأجهزة المخابراتية التي أقضت مضجع الشعب و الماكينة العسكرية استنفذت مقدراته. و هكذا اعتقدت روسيا أن بقاء الأسد ممكناً، و أنه من الممكن التوصل لحلول وسط بين النظام و المعارضة، وأن اطراف المعارضة التي لا تتفق مع هذا الرأي هي متعنتة و متطرفة، و أن الدول الغربية متسرعة و متهورة. لهذا أصرت روسيا منذ البداية على ضرورة الحوار بين النظام و المعارضة مع التمسك ببقاء النظام، و نددت بأطراف المعارضة التي لا ترى جدوى من هذا الحوار، و لهذا عملت على منع أي قرار من مجلس الأمن يدين النظام .لكنها وافقت في شهر آب على بيانِ رئاسي يتضمن دعوة صريحة ومباشرة لوقف كافة أشكال العنف ومشاركة كافة القوى السياسية فى حوار سياسى بناء . ثمّ استخدمت الثلاثاء الماضي حق النقض ضد مشروع القرار الأوروبي المدين لأفعال النظام محذراً إياه أن أفعاله القمعية ستؤدي به إلى مزيد من العزلة و العقوبات. ولتبرير هذا النقض استخدمت حجتين معلنتين، الأولى هي أن القرار لم يتضمن إدانة للمعارضة بالإضافة لإدانته النظام، والثانية هي أنها لا تريد مشاهدة تكرارٍ للمشهد الليبي على الأرض السورية.

ها نحن في نهاية الشهر السابع من الإنتفاضة و رهان روسيا على اصلاحات الأسد و على حوار بين النظام و المعارضة لم يتحقق، فإذاً فما هو خطأ التقدير الذي ارتكبته الإدارة الروسية؟ أولاً إن روسيا اعتبرت أن بشار مازال ليناً كما كان قبل خمس سنوات، فبشار بعد جريمة اغتيال الحريري قَبِلَ بأن تأتي لجنة التحقيق إلى دمشق و وفّر لها كل التسهيلات للقيام بعملها، برغم أن هذا القبول كان جرحاً لكبرياء النظام، و فوق ذلك بشار كان مستعداً للتضحية بزوج أخته آصف شوكت لإنقاذ النظام لو اقتضت الحاجة. و لكن هذه المرة ظهر بشار متعنتاً متعجرفاً، لم يسمح له كبرياءه بتقديم أي اعتذارٍ لأهالي درعا، و لم يقدم للعدالة ابن خالته عاطف نجيب جزاءً على جرائمه،  و حتى لم يعترف بحقوق الشعب أو بالمعارضة التي أرادته روسيا أن يحاورها. أيضاَ فبينما كانت جريمة قتل الحريري حدثاً واحداَ من غير دلائل مباشرة تدين النظام، فالنظام اليوم يكرر جرائمه اليوم في وضح النهار من دون آي خوف أو حياء. كل هذا جعل إمكانية جلوس المعارضة على طاولة المفاوضات مع النظام للوصول إلى حلٍ يرضي الطرفين معدومة. فهل يا تُرى بدأت روسيا تدرك الحقيقة؟ و هل تصريح رئيسها الذي قاله في الأيام الماضية معلناً أنه إذا كان الأسد لا يستطيع اجراء الإصلاحات فعليه بالتنحي هو خطوة في هذا المجال؟ و هل دعوة القيادة الروسية لجناحي المعارضة السورية لزيارتها هو إعلان بأن السياسة الروسية لم تعد ترتكز على تشجيع الحوار بين النظام و معارضة تقبل بوجوده، بل هي قائمة منذ الآن فصاعداًعلى تشجيع الحوار بين معارضتين لهما رؤيتين مختلفتين لحل الأزمة الحالية؟ هذا ما ستجيبنا عليه تطورات الأيام القادمة و أيضاً وفود المعارضة التي تزور العاصمة الروسية.

لاشك أن المجلس الوطني السوري و هيئة التنسيق الوطنية لهما رؤيتان مختلفتان لحل الأزمة الحالية، وطبعاَ هذا الاختلاف لا ضير فيه، لا بل هو طبيعي و سليم طالما أن كل طرف يحترم الآخر و لا يُخوِّنه، و ربما يكون مفيداً إذا عرف الطرفان استخدامه. منذ بدأت الثورة اتخذت الفصائل التي انضوت لاحقاً تحت لواء هيئة التنسيق رؤية مختلفة لحل الأزمة  من تلك التي انضوت تحت راية المجلس الوطني، فبينما الأولى رأت أنه يمكن تحقيق الديمقراطية بإصلاح النظام عبر تخليه عن طبيعته الأمنية و العسكرية، رأى الثاني أن النظام لن يتخلى عنهما طوعاً لذلك وجب اسقاطه. و الحقيقة أن الهيئة استمرت على موقفها هذا إلى ما بعد مؤتمر حلبون الذي عقد في شهر أيلول الماضي حيث تعرضت الهيئة لانتقادات عنيفة من قِبَلِ شباب الثورة تصل لحد السخط لعدم و ضعها اسقاط النظام كجزء من برنامجها. بعد هذا تبنت الهيئة هذا الشعار و لكن قالت "لا" لأي تدخل خارجي من أي نوع كان، بينما لم يستبعد المجلس الوطني فكرة  التدخل الخارجي و لكن من غير أن يحدد ماهيته. لا شك أن روسيا ستميل إلى رأي هيئة التنسيق لأنها من حيث المبدأ ترفض أي تدخل غربي في الأزمة السورية و خصوصاً إذا كان عسكري ، وأيضاً بسبب التركيبة اليسارية الاشتراكية لمعظم الأحزاب المنضوية تحت عبائتها.

و السؤال الذي يمكن أن يُطرح الآن طالما أن المجلس الوطني و هيئة التنسيق أصبح لهما قاسم مشترك واحد في برنامجيهما لحل الأزمة السورية و هو اسقاط النظام، فهل يمكن أن يعملا بتناسق خلال زيارتهما لموسكو لاقناع المضيف الروسي بضرورة هذا الاسقاط؟ مما لا شك فيه أنه إذا استطاع جناحي المعارضة العمل بتناسق فإن بإمكانهما فعل الكثير. لذلك فأولاً و قبل كل شئ على الوفدين أن يستفسرا عن حقيقة الموقف الروسي الآن، فهل مازالت روسيا تعتقد بأنه يمكن حل الأزمة السورية دون اسقاط النظام؟ ثم على الوفدان أن يناقشا القيادة الروسية في حجج النقض الروسي لمشروع القرار الأوروبي الذي قدم لمجلس الأمن الأسبوع الماضي. فبينما تبدو حجة إدانة المعارضة و النظام على السواء واهية و غير عادلة إذ لايمكن مقارنة الجلاد بضحيته و خصوصاً بعد انتقاله إلى مرحلة جديدة في اجرامه مع قتله لمشعل تمو و إيذائه لرياض سيف جسدياً، فإن حجة تكرار المشهد الليبي على الأرض السورية تستحق النظر، إذ إنني أعتقد أن أوربا و أمريكا لا تريدان تدخلاً عسكرياً في سوريا على غرار ما حدث في ليبيا، و أيضاً فإن الشعب السوري لا يريده أيضاً، فنحن نعرف كيف أن السوريين شديدي الحساسية لأي انتهاك لسيادة بلادهم، وأيضاً فإن أي ضربات من الناتو ستلحق الأذى بالمدنيين و المنشآت المدنية نظراً لكثافة السكان العالية في الكثير من المناطق السورية. و أخيراً على الوفدين أن يطرحا إمكانية صياغة مشروع قرار جديد في مجلس الأمن يؤدي لزيادة عزلة النظام السوري و خنقه.

 بسبب كل ما ذكرت آنفاً فإنني أقول أن مهمة وفدي المعارضة الذاهبين إلى موسكو الثلاثاء القادم ستكون شديدة الدقة و بالغة الأهمية. لهذا أقول لأعزائى في هيئة التنسيق كونوا عمليين و بينوا للقيادة الروسية أن حلّ الأزمة السورية يبتدأ باسقاط النظام، و أقول لأصدقائي من المجلس الوطني انتبهوا ألا تضعوا العربة أمام الحصان، فنحن لا نريد إثارة حفيظة أحد، و نريد اسقاط النظام بأقل التكاليف المادية و البشرية الممكنة حتى لو تطلب ذلك بعض الوقت، و أقول لكليهما إذا احسنتما الأداء و عملتما بتناسق فإنكما ستقدمان خدمة كبيرة للشعب السوري.

السبت، 1 أكتوبر 2011

المعارضة السورية و العقم السياسي


لا شك أن  المعارضة التقليدية (الأحزاب السياسية التقليدية) تفاجأت بالثورة كما تفاجاء بها أغلب السوريين. هذه المعارضة التي كانت في الأصل مشلولة بسبب تصلبها العقائدي و الخلافات الشخصية التفاهة بين أفرادها و أيضاً بسبب محاربة النظام لها و خبثه الذي استطاع من خلاله الاستفادة من هذه الخلافات لزيادة تشرذمها وتعميق عجزها. هكذا جاء تفاعل المعارضة  التقليدية مع الثورة بطيئاً، فمثلا إعلان دمشق للتغيير الديموقراطي و هو التنظيم السياسي الأكبر داخل القطرفي ذلك الحين أنشأ صفحته للتفاعل الإجتماعي بعد مضي ثلاثة أشهرعلى بدء الثورة  و هذه الصفحة لم تستقطب الكثير من الناس رغم الحماسة الأولى لها لأنها عجزت عن طرح قضايا مهمة متعلقة بالثورة. أما الأحزاب الأخرى فإن معظمها تجمع بعد مضي الكثير من الوقت تحت مظلة هيئة التنسيق الوطني و بقيت هذه الهيئة من غير حراك سياسي فعال يذكر. أما الشخصيات السياسية المستقلة فلقد انكفأت عن طرح أي مبادرة سياسية تذكر بعد مؤتمرها الناجح نسبياً في مؤتمرها  الذي عقدته تحت شعار " سوريا للجميع" في فندق سميراميس، و ذلك ربما لأنها راهنت على التفاوض مع نظام لا ينظر بالأصل إليها على أنها ندّاً، و أراد من خلالها أن يتحايل على الشعب ليحبط ثورته. هكذا فكل هذا يدّل على عجز الأحزاب و الشخصيات السياسية التقليدية ليس فقط عن التوحد و وضع إطار سياسي للثورة بل أيضاً عن مواكبة أحداثها و إدراك حيثياتها.

لكن هناك طائفة أخرى من المعارضة ظهرت في السنوات العشر الماضية، و هذه الطائفة تمثلت بالنشطاء الحقوقيين. هذه المعارضة التي لم تعتد على العمل السياسي والتنظيم الحزبي بالمعنى التقليدي. في الحقيقة هذه الطبقة من المعارضين هي كانت الأكثر نشاطاً خلال السنوات العشر الماضية، وهي التي تعلّمت كيف تخاطب الرأي العام العالمي وتحاكي وسائل الإعلام. و الأهم  من ذلك أنها هي التي كانت تنتظر بدء هذه الثورة و تتوقع حدوثها، أو بالأحرى هي التي حاولت إيقاظ الشعب ليثور على جلاده و ساهمت بشكل من الأشكال في بدء هذه الثورة. و السؤال لماذا لم تعمل هذه الطبقة على صياغة الإطار السياسي للثورة، هذا الإطار الذي كان ضرورياً لقيادة معركة سياسية فعّالة ضد النظام للإسراع بإسقاطه وقيادة مرحلة إنتقالية تحقق للشعب طموحاته 
.
قبل أن أجيب على هذا السؤال دعونني أوضح  ماهية مساهمة هؤلاء النشطاء الحقوقيين في بدء الثورة. لاشك أن السبب الأساسي للثورة كان امتلاء الشعب بالحنق على النظام، هذا الحنق الذي تراكم على مدى عقود من الحرمان الإقتصادي و امتهان الحريات. ولا شك أن شرارة انطلاق الثورة كان احتجاز الأمن للأطفال في درعا و تعذيبهم و قلع أظفارهم. و لكن ما كان لهذه الثورة لتنتشر لولا وسائل التفاعل الإجتماعي (الفيسبوك) و وسائل الإعلام التقليدي (قناة الجزيرة)، و هذه كان قد تمّ تجهيزها قبل بدأ الثورة، و الذين قاموا بتجهيز كل هذا كان النشطاء الحقوقيين.

 و السؤال الآن لماذا لم يساهم هؤلاء النشطاء الحقوقيين في تجهيز الوسط السياسي للتفاعل مع الثورة بشكل فعّال أو التحضير لمبادرة تسد الفراغ السياسي الذي رافق هذه الثورة؟ في الحقيقة حاول النشطاء الحقوقيون طرح بعض المبادرات و صياغة بعض الأطر السياسية، و لكن هذه المبادرات  و الأطر جاءت ساذجة أو ناقصة.

 هكذا أتت أولى المبادرات في ٢٩ نيسان بواسطة رضوان زيادة و رفاقه تحت عنوان "المبادرة الوطنية للتغيير من أجل تحول آمن نحو الديمقراطية في سوريا". هذه المبادرة ارتكزت على الافتراض أن بشار سيدرك حقيقة المأزق الذي هو فيه، و سيستقيل فوراً بعد بدأ الإنتفاضة ليجنب البلاد الخراب و العباد زهق الأرواح مسلّماً الحكم  بطريقة سلمية  لوزير الدفاع في ذلك  الحين العماد علي حبيب. طبعاً كانت هذه المبارة من السذاجة بمكان، إذ إن طاريحها لم يكن لهم فهماً حقيقياً لماهية النظام الأسدي الكّلي التملك و لطبيعة شخصية بشار التامة الانفصال عن واقعها. هكذا لم يستقيل بشار و اختار طريق المعاندة و التحدي و القسوة و الدمار، و ماتت المبادرة لسذاجتها.

 بعد ذلك أتى مؤتمري أنطاليا )المؤتمر السوري للتغيير (و بروكسل) مؤتمر الائتلاف الوطني لدعم الثورة السورية(، و كان منظموهما من الأشخاص الذين شاركوا في التحضيرات للإنتفاضة السورية، مع ذلك جاءت مبادراتهم غير ناضجة من الناحية السياسية. كان من الواضح من خلال طريقة التنظيم لكلا المؤتمرين و طبيعة المدعويين أن كلا المؤتمرين لم يهدفا إلى صياغة اطار سياسي للثورة بل لتعبئة حشد شعبي للثورة. هذا الهدف لم يكن سيئاً بل ربما كان ضرورياً في ذلك الوقت، و لكن التوقف عنده كان غير كافٍ. أما لماذا لم تحاول اللجان المنبثقة عن هذه المؤتمرات السّعي لبناء الإطا ر السياسي الضروري  لإنجاح الثورة بسرعة، فهذا ما أدعوهم للإجابة عنه، و لكن بالنسبة لي هو دليل سطحية سياسية.

ثم جاء مؤتمر الإنقاذ الوطني الذي وضع له منظموه هدفين: الأول بناء صورة لسورية مابعد الأسد و الثاني تشكيل حكومة ظل، و قد وضع المنظمون هذين الهدفين بناء على إعتقادهم أن سقوط النظام الأسدي آني، هكذا علينا أن نعبّأ المجتمع حول مشروع سوريا الجديدة و نسدّ الفراغ  المؤسساتي الناجم عن سقوطه بحكومة ظليلة، ولكن المؤتمر فشل فشلاً ذريعاً، إذ إن فكرة تشكيل حكومة ظّل بعيدة كل البعد حتى عن المتطلبات الحالية للثورة، فالنظام الأسدي لم يكن آني السقوط و لا هو الآن و المعارضة لم تكن مهيئة لتشكيل أي كيان سياسي يدير عملها وذلك بسبب تشرذمها و ربما ليست هي الآن. والصورة التي حاول المؤتمر رسمها عن سوريا القادمة لم تكن بالمضيئة إذ اتسم المؤتمر بسوء التنظيم و بالتصرفات الصبيانية لبعض المشاركين فيه 
.
و أخيراَ حصلنا على مجلسين واحد انتقالي و آخر وطني، كلاهما ولدا بولادة غير طبيعية، و كلاهما يدّعي تمثيلنا و يصارع الآخر على هذا التمثيل. و ها نحن مساكين حيارى لا نعرف من نصدق منهما، و لا نعرف أي واحد منهما يمثلنا فعلاً، أو حتى نشك إذا كان أي منهما يستحق تمثيلنا. هكذا نرى الدماء تسيل فتسيل أرواحنا معها، و نرى البلاد تتمزق فتتمزق قلوبنا معها. كل هذا بينما المجلسان يتصارعان على تمثيلنا، وهم غير شاعرين بنا والسؤال الذي نطرحه على أعضائهما كيف تدّعون تمثيلنا إذا كنتم لا تشعرون بنا.

هكذا لم يدرك السياسيون التقليديون و أشباههم الأكثر حداثة أهمية صنع إطار السياسي يساعد على انجاح الثورة و اسقاط النظام بسرعة قبل أن يتكبد الشعب الكثير من الضحايا أو تنحرف عن مسارها نحو حرب أهلية. و لم يفهم هؤلاء و أولئك أن اتساع امتداد الثورة المكاني والزماني سيستدعي تداخل الكثير من العوامل و تدخل العديد من الأشخاص فيها جاعلاً منها صعبة القيادة و فاتحاُ الباب عليها ليتسلقها الكثيرون. هكذا وصلنا  لما وصلنا إليه الآن ثورة من دون قيادة تدير الحرب السياسية مع النظام للإسراع باسقاطه، و من غير ريادة ترسم لها أطرها لتمنعها الإنزلاق نحو حرب أهلية. كل هذا يدل على أن المعارضة السورية بمختلف أطيافها فاقدة للعمق السياسي و ناقصة بالنضج الشخصي أو لربما هي عقيمة و عديمة الثمر.

سمعنا أنه بعد اجتماعات دامت يومين في إسطنبول شاركت فيها قوى عدة من المعارضة السورية، تم الاتفاق على تشكيل المجلس الوطني السوري وسيعلن عن التشكيل النهائي خلال اليومين القادمين. لهذا فإننا نخاطبهم بقولنا: يا سادة القوم و أولياء أمورنا كنا قد وصفناكم بالسذاجة والسطحية السياسيتين فأثبتوا خطأ وصفنا، و اتهمناكم بنقص النضج الشخصي فبينوا هتك اتهامنا ، و نعتناكم بالعُقر و الجُدب فبرهنوا على سوء نعتنا، و لم نتجرأ بعد على الحكم عليكم ببطلان النوايا، فنرجوكم ألا تدفعوننا لفعل ذلك.