الخميس، 2 فبراير، 2012

القيصر و الضحية


مع سقوط الدولة البيزنطية -روما الثانية- و إدعاء الإمبراطورية الروسية   -روما الثالثة- خلافتها، تبنت هذه الأخيرة كل الرموز البيزنطية بما فيها النسر ذي الرأسين، هكذا أصبح رمزاً لقوتها و عظمتها. و لكن عندما تخلص السوفييت من الإمبراطورية الرومانوفية الهرمة تخلصوا من كل بقاياها بما فيها هذا الرمز مستبدلين إياه بعلامة المنجل و المطرقة. إستعاد بوريس يلسين صورة النسر ذي الرأسين كرمزاً للدولة الروسية  كتعبير عن حنينه للإمبراطرية الرومانوفية  الغابرة- نسبة إلى عائلة رومانوف التي حكمت روسيا لقرون قبل مجئ الشيوعية-  ودلالة على شوقه لإعادة نفوذ روسيا على الشرق و الغرب، و لكنه وضع عليه ثلاثة تيجانٍ كرمزٍ للسلطات الثلاث أعني التنفيذية و التشريعية و القضائية، كدلالة على رغبته الإصلاحية. كل هذا ليعلن تشبهه بمثله الأعلى الإمبراطور بطرس الكبير القوي الشخصية و المنفتح العقل مصلح الإمبراطورية الروسية. و لكن هيهات فيلسين لم يكن إصلاحياً و لا قوي الشخصية، ففي عهده عمّ الفساد و انتشر، و بشخصه أظهر واحدة من أسوء الضعفات الإنسانية و هي الإدمان على الكحول، هكذا أصبحت روسيا مضحكة لكل الدول و إمبراطورها المزعوم مسخرة لكل العالم.

أدرك اللاحق -بوتين- أمراض السابق -يلسين-  فلم يقع بها، و لم يحافظ فقط على أحلامه، بل تجاوزها بدرجات. كيف لا و هو الناجح في كل شئ و الذكي المتعدد المواهب و القدرات جسماً و عقلاً. فهو الطيار و لاعب الجودو، وهو خريج كلية الحقوق و الحاصل على شهادة الدكتورا في الإقتصاد و الضابط في جهاز الإستخبارات السوفيتية و مساعد عميد جامعة بيترسبرغ و رئيس مجلس بلدية بيترسبرغ و نائب رئيس الجمهورية  و أيضاً رئيس الجمهورية و المتحكم بكل مفصلٍ من مفاصل السياسة الروسية حتى بعد خروجه من الرئاسة، و أخيراً و ليس آخراً هو الرئيس الموعود لسنوات طويلة قادمة.

هكذا أخذ بوتين بالحلم الإمبراطوري الرومانوفي إلى نهايته، و فوق ذلك أعطاه طابعاً سوفيتياً و أيضاً نفحة بوتينية خاصة. أما الصبغة الرومانوفية فظهرت عندما ربط بين الهوية القومية الروسية والإنتماء للكنيسة الأرثوذكسية، لهذا عندما إنتخب رئيساً للجمهورية في عام 2000 قال "كل الناس متساوون أمام الله، هذا هو أساس الحكم"، و أيضاً أردف قائلاً "على نحو مخالف للغرب" فإن الثقافة الروسية الأرثوذكسية أكدت دائماً على المساواة بين كل الناس". كما أنه أقام تحالفاً مؤساساتياً غير رسمي بين الدولة و الكنيسة برغم فصل الدستور بين الدين و الدولة. فعمل على توحيد الكنيسة الروسية التي كانت مقسومة لقسمين واحد في الداخل و آخر في الخارج، وأعاد للكنيسة كل ممتلكاتها داخل روسيا و ساعدها على إستعادة تلك التي في الخارج  . و أخيراً قام بتشجيع الكنيسة الروسية لإستعادة مكانتها السابقة في العالم الأرثوذكسي، و استغل ذلك لأهداف سياسية توسعية .و الحال، إن زيارة بطريرك موسكو وسائر روسيا كيريل إلى سورية في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي جاءت لهذا الهدف، هذا ما أكده مصدرٌ في الخارجية الروسية بقوله: "حتى زيارة بطريرك موسكو كيريل الأخيرة للمنطقة كانت في هذا السياق [أي دعم النظام السوري]. ولمن يجهل، فبطريركنا دبلوماسي بامتياز. فهو أمضى مدة لا بأس بها من عمله الكنسي في جنيف، ممثّلاً في مجلس الكنائس العالمي، وعلى تماس مع كل المنظمات الدولية والقضايا الدولية".

أما النفحة البوتينية فكانت متعددة الألوان، فإختار لنفسه حكماً لا هو ديمقراطي تماماً و لا هو أوتقراطي كلية. كما  أدرك  حاجة الروس في هذه المرحلة من تاريخهم للإستقرار السياسي و البحبوحة الإقتصادية، فقضى على حيتان المال التي كانت تأكل الأخضر و اليابس و شلَّ خصومه السياسيين معلناً عن نفسه الضامن للبحبوحة و الإستقرار. و جعل لروسيا مكانة في العالم، لا كما فعل السوفييت بإختلاق نظام إقتصادي مغاير للطبيعة أو عبر القوة العسكرية المجردة، بل بجعله روسيا قوة إقتصادية و سياسية عبر الإندماج بالمنظومة الإقتصادية العالمية و إتقانه للعبة السياسية الدولية. كما أنه أصبح يجلس على طاولة  الكبار ليس عبر تصرفات خرقاء كما فعل خروتشوف بالضرب على طاولةٍ في الأمم المتحدة لجلب أنظار العالم إليه، بل عبر شخصيته الذكية و الجذابة و إدراكه لأهمية العلاقات الشخصية في السياسة، فأقام علاقات صداقة  شخصية مع كبار قادة العالم كجورج بوش و جاك شيراك و سيلفيو برلسكوني.

أما الطابع السوفيتي فتجلى برغبته إعادة نفوذه على جمهوريات الإتحاد السوفيتي السابق، لهذا وصف في السابق إنهيار الإتحاد السوفيتي على أنه "المأساة الجيوبوليتيكية الأكبر في القرن العشرين"، و لهذا أيضاً كان قد قلب الطاولة على صانعي الثورة البرتقالية في أكرانيا و أعاد حلفاءه للحكم فيها، و عندما أراد حلف شمال الأطلسي أن يمتد إلى جورجيا فجر لها مشكلة أوستيا بعث بجيشه ليحتل خمسها كل ذلك على مسمع العالم أجمع و مرأى القوى العظمى، معلناً أنه لن يرضخ من الآن فصاعداً للتعدي الغربي. لذلك أعلن في شهر ت1/أكتوبر الماضي رغبته في إنشاء كتلة جيوسياسية جديدة تضم معظم جمهوريات الإتحاد السوفيتي السابق، فكتب في مقالة نشرها في صحيفة الإزفستيا مخاطباً هذه الجمهوريات بقوله: "لدينا إرث عظيم من الإتحاد السوفيتي. لقد ورثنا بنية تحتية و وحدات إنتاج متخصصة و لغة مشتركة و مجال علمي و ثقافي مشترك. لهذا فإنه من مصلحتنا أن نستخدم هذه الإمكانيات لنمونا". و جعل من تشكيل هذه الكتلة عنواناً لرئاسته القادمة  ليتم التوقيع على إتفاقيتها في عام 2015، و قد حدد أسسها على النحو التالي بقوله: "نحن لا نتكلم عن إعادة تشكيل الإتحاد السوفيتي. سيكون من السذاجة محاولة إعادة أو نسخ ما كان في الماضي. و لكن في الوقت عينه يتحتم علينا تحقيق المزيد من التكامل على أساس القيم و السياسة و الإقتصاد." و أما غاية هذا الإتحاد الذي سيشمل خمساً من مساحة الأرض يعيش عليه تقريباً 300 مليون نسمة فنظّر له بقوله: "إننا نتكلم عن نموذجٍ لإتحادٍ متعدد الأمم قادرٍ على أن يصبح واحداً من أقطاب هذا العالم الحديث".

و الحال أن بوتين يتمنى أن يرى هذا العالم ثلاثي الأقطاب، حيث تشغل قمم هذه الأقطاب ثلاث قوىً هي الولايات المتحدة و أوروبا و روسيا، فتتقاسم هذه القوى النفوذ في العالم على نحوٍ مشابهٍ لما كان عليه تقاسم النفوذ أيام الحرب الباردة، و لكن بدون صراع بل بتوافق، حيث تتصرف روسيا في مجالها الحيوي هذا بحرية دون أن ينافسها أحد عليه.

و لكن الغرب لا يشاطر بوتين رؤيته هذه، لا بل ينظر إلى أي نفوذٍ روسي خارج حدودها على أنه تهديد للسلام العالمي. فأولاً و قبل كل شئ يعتبر الغرب روسيا دولة غير ديمقراطية، و هي لن تكون مادام بوتين على رأسها يتلاعب بالمؤسسات الديمقراطية على هواه. هكذا فإن الغرب ينظر إلى روسيا بعين التفوق و الإستعلاء أخلاقياً، فوق ذلك فإنه يعتبر تلاعب بوتين بالمؤسسات الدستورية عنصر عدم إستقرار ليس لروسيا فقط بل للعالم أيضاً، إذ كيف يمكن لبلدٍ غير مستقر أن يكون عامل إستقرارٍ في العالم؟! و يقدمون الدليل على ذلك دعمه و تسليحه لأنظمة ديكتاتورية بعضها يشكل خطراً على السلم العالمي كروسيا البيضاء و طاجكستان و إيران و سوريا. ثم جاء إرسال روسيا بأسلحة للنظام السوري بينما يقتل هذا النظام شعبه  ليؤكد المخاوف الغربية، و أما  رد وزير الخارجية الروسي على الإنتقادات التي وجهت لدولته بهذا الصدد -و الذي قال فيه "لا نرى أنه من الضروري تفسير أنفسنا أو تبرير أنفسنا لاننا لا ننتهك أي اتفاقيات دولية ولا أي قرارات لمجلس الامن"-  فكان عذراً أقبح من ذنب.

بالمقابل فإن بوتين يرفض هذا الإستعلاء الغربي و يعتبر أنه ليس من حق الغرب أن يفرض معاييره الأخلاقية على العالم، و أن الشؤون الداخلية للبلاد بما فيها أنظمة حكمها هو قضية داخلية لكل بلد، و ليس للغرب أي دخل فيه. علاوة على هذا فإن بوتين ينظر بعين الريبة إلى هذه الدعوات الأخلاقية الغربية، إذ يعتقد أنها ليست دعوات صادقة بل هي حجج يستخدمها الغرب ليحارب الأنظمة التي لا تطبق على هواه ، و ذلك عبر تأجيج الإضطربات الدخلية في هذه البلدان ثم مهاجمتها عسكرياً بدواعٍ إنسانية. لهذا أخذ بوتين على عاتقه مهمة تحدي الغرب ليثبت أن النظرة البوتينية للأخلاق و الإستقرار هي الصحيحة، بينما الإستعلاء الغربي و تدخله في الشؤون الداخلية للدول هو مصدر عدم الإستقرار. و هو إستند في تحديه هذا على إنتعاش الإقتصاد الروسي و ضعف الإقتصادين الأوروبي و الأمريكي، و أيضاً على شعبيته بين الروس التي وصلت في وقت من الأوقات إلى أكثر من 70%. و الحال، إن الإحتجاجات التي شهدتها روسيا الشهر الماضي لم توهن عزيمته نحو هذا الهدف، بل على العكس زادتها، إذ إنه فسر هذه الإحتجاجات على أنها صنيعة غربية.

هكذا وجد بوتين في القضية السورية فرصته. فبعد أن ذكّر الغرب بما يحدث في العراق من شبه حرب أهلية، و بالدمار الذي حصل في ليبيا من جراء تدخل الناتو، راهن على قدرة إدارته بإجراء حوار بين النظام السوري و المعارضة للخروج من الأزمة الحالية بحل يرضي الطرفين. و لكن الرهان الروسي أغفل حقائق كثيرة أولها أن النظام متعنت و مستعلٍ، و ثانيها أنه أهوج و أحمق. هكذا لم يستجيب النظام منذ البداية إلى دعوات الروس بالتهدئة و الحوار، بل تابع بجنونٍ حله الأمني المدمر معتمداً على دعم الروس له في مجلس الأمن. فتزايد عدد القتلى يومياً، و تحولت القضية السورية إلى أزمة إنسانية صارخة تهتز لها ضمائر العالم أجمع إلا ضمائر المسؤولين الروس، الذين أعموا عيون أنفسهم فتجاهلوا الدماء المسكوبة مدافعين عن حوار لم تتحقق له أي أسس للنجاح، و تابعوا في عنادهم و صلاباتهم و تحديهم و تعطيلهم لمجلس الأمن و منعهم المجتمع الدولي من تحمل مسؤولياته تجاه الشعب السوري، فإذ بهذا الشعب يتحول إلى ضحية. و لكن الضحية بدأت تشتم رائحة الإنتصار لتثبت لبوتين أن نظريته في الأخلاق لا أخلاق فيها.