السبت، 21 يوليو، 2012

تحديات المرحلة الإنتقالية في سوريا –رقم3 - الأمن و السلام


يشكل الهاجس الأمني واحدة من أهم التحديات التي تواجه أي حكومة إنتقالية بعد ثورة شعبية، إذ إن الثورات غالباً ما تترافق بالفوضى و العنف، وهذه الصفات تلازم عموماً كل الثورات، فالثورات هي مواجهة و تحدٍ بين الشعب الذي يريد تغيير نظام الحكم و الحكومة التي تقاوم هذا التغيير.

 و السبب الكامن وراء الثورات هو تراكم الإحساس بالحرمان و الجور و الظلم الذي يؤدي إلى العسر و الكدر و الألم و المرارة و الحنق. و لكن في لحظة معينة و نتيجة تعدٍ فاضح من السلطة على الشعب ينفجر الحنق مولداً غضباً و تمرداً. و التمرد عادة ما يكون محدود المطالب و الإتساع، ولكن عندما ترفض السلطة الإعتراف بمشروعية هذه المطالب يرتفع سقف المطالب ليصبح إسقاط النظام ، و تتسع رقعة التمرد لتشمل أجزاء واسعة من البلاد، في تلك اللحظة يتحول التمرد إلى ثورة.
إذاً  فالثورات بطبيعتها فيها غضب و مواجهة و تحدٍ-أي عنف نفسي- من قبل الشعب، و غالباً ما ترد عليه السلطة بعنف المادي أي بالضرب و الإعتقال و التفتيش التعسفي و التنكيل و القتل، و الرد الطبيعي من قبل الشعب على هذا العنف المادي سيكون عنفاً مادياً أيضاً. و الحال أن مقدار عنف الشعب يكون متناسباً مع مقدار عنف السلطة، مع أنه في كل الأحوال يبقى أقل من عنف السلطة،لأن الشعب لايمتلك إمكانيات السلطة و لا دوافعها من إنتقام و رغبة في الإمحاء.
لهذا تتسم الثورات الشعبية إجمالاً بالفوضى و العنف و لكن تختلف عن بعضها البعض في درجة هذه الفوضى و العنف. و الحق، إن درجة العنف هذه تتعلق بعدة عوامل و لكن أهمها على الإطلاق هو عنف السلطة. هكذا فالثورة المخملية في تشيكوسلوفاكيا عام 1989 و التي دامت ستة أسابيع و مارست فيها السلطة عنفاً محدوداً (إستخدام هروات فقط) أدت إلى وفاة متظاهر و احد فقط، بينما الإنتفاضة المصرية التي دامت ثلاثة أسابيع وتميزت بوحشية رجال الشرطة -حيث إستخدموا في بعض الأحيان الرصاص الحي-  فإنها إنتهت بمقتل 846 شخصاً من المدنيين و أيضاً 26 شخصاً من الشرطة. أما الثورة الأمريكية و التي إبتدأت كثورة سلمية و لكن حكومة صاحب الجلالة إستخدمت الجيش لقمعها إنتهت على شكل حرب دامت ثماني سنوات مات خلالها 25000 إنسان. لهذا يتساءل بعض الباحثين إذا كان هناك حقاً ثورة لاعنفية بالمعنى المطلق، و الإجابة لا، و إنما درجة العنف المستخدم هي التي تحدد فيما إذا كان يصح أن نطلق عليها عنفية أو لا عنفية 
.
لم تكن الثورة السورية مختلفة في مسيرتها عن باقي الثورات، عندما كتب أطفال درعا "إجاك الدور يا دكتور" كانوا يعبرون عن حنق أهلهم بشكلٍ خاص و الشعب السوري بشكلٍ عام، و عندما برعونتها إعتقلت قوى الأمن هؤلاء الأطفال حولت هذا الحنق إلى غضب و تمرد للمطالبة بالإصلاح و الحرية و الكرامة. و لكن لما أنكر بشار مشروعية مطالب الشعب و رد عليها بالوعيد و التهديد، إرتفعت مطالب الشعب إلى إسقاط النظام، عندئذ إتسعت رقعة الإحتجاج و تحولت الإنتفاضة إلى ثورة. كل هذا لم يكن إلا وصفاً تقليدياً لآلية نشؤ الثورات، و لكن ما عقد الثورة السورية من الناحية الأمنية كان إقحام الجيش و إستخدام الشبيحة في محاولة قمع الثورة و أيضاً التجييش الطائفي و تسليح المدنيين. كل هذا سيجعل موضوع إحلال الأمن واحداً من أكبر التحديات التي ستواجه الحكومة الإنتقالية.
كان إقحام الجيش في قمع المتظاهرين و قتلهم و التفتيش التعسفي و حصار المدن و دكها واحداَ من أكبر الحماقات التي إرتكبها النظام السوري. فهذا أفقد الجيش صبغته الوطنية ليس فقط في عيون المواطنين المدنيين، بل أيضاً في عيون الكثيرين من أعضاء هذا الجيش نفسه. هكذا إبتدأ التململ باكراً في بعض قطعات الجيش، فحصلت مماحكات بين عناصر و قيادات الفرقة الرابعة و الفرقة الخامسة أثناء حصار درعا، ثم تحولت هذه المماحكات إلى إنشقاقات أولاً فردية و و من ثُمّ جماعية. و لما كثر عدد المنشقين و بدؤوا يستقرون في المناطق السكنية و لا حقهم الجيش ليقضي عليهم ، بدأ المنشقون بالتصدي للجيش النظامي و الشبيحة لحماية أنفسهم و حماية المدنيين من حولهم، رأينا هذا بجلاء في الرستن و حمص.

الخطأ الثاني الذي إرتكبه النظام كان إستخدام الشبيحة. و الشبيحة هم عصابات مسلحة أسسها  مالك الأسد أثناء الوجود العسكري السوري في لبنان و ذلك للقيام بعمليات التهريب. ثم تطور إتساعها و أصبح هناك الكثير منها في العديد من مناطق الساحل السوري، و يديرها أشخاص من آل الأسد و آل مخلوف و آل نجيب، و لكن القسم الأكبر منها هو تحت أمرة نمير الأسد إبن عم بشار الأسد. و هي مجموعات تقوم بعمليات النصب و الإحتيال و السرقة و جمع الأتاوات و الضرب و التنكيل، و تستخدم أسلحة مختلفة من عصي و سكاكين و أسلحة نارية فردية. وللشبيحة سجون خاصة يسجنون فيها من يخطفونه إلى حين قبوله بما يفرض عليه. وهم فوق القانون ، يفعلون ما يشاؤون بدون رادع يردعهم،فطلباتهم لا ترد، ويتحدون سلطة والشرطة وحتى المخابرات، و لهم إنتماء طائفي واحد يفتخرون به و بلغ عددهم 5000 إلى 01000 شخص قبل بدأ الثورة السورية. يتم اختيار الشبيحة بعناية فائقة من أشخاص لهم صفات مميزة، فهم محدودي الثقافة، و لهم بنية قوية و جسم ضخم، يتم تدريبهم تدريبا قتاليا عاليا، ويكون ولاؤهم المطلق لزعيمهم. تم إستخدام الشبيحة لقمع المتظاهرين لأول مرة في اللاذقية، ثم إبتدأ النظام بتجنيد العديد منهم من السكان المحليين في محافظات دمشق و ريف دمشق و حلب، و لكن بالتحديد في حمص حيث لجأ إلى أفرادٍ من طائفة محددة يقطنون تلك المدينة، و بدأ هؤلاء الشبيحة بضرب كل من يعتقدون أنه مؤيد للثورة و بخطفهم و تعذيبهم و أيضاً بتخريب الممتلكات و تهديد الأهالي و ترويعهم. خلال الأزمة الحالية، إزدادت سطوة الشبيحة إلى حد أن الأجهزة الأمنية في سوريا بدأت تتساءل -بحسب بعض التقارير الصحفية- "هل تحكمنا الشبيحة؟!".
بالإضافة لهذا عمد النظام إلى التجييش الطائفي. و الحال، منذ إعتلائه السلطة عمد حافظ الأسد إلى إستخدام طائفة معينة لتقوية حكمه و ليحتمي بها عند الضرورة و ذلك عبر إعطائها بعض الميزات. هكذا بشكل من الأشكال ربط مصيرها بمصيره، أو بالأحرى أفهمها هذا و زرعه فيها، بالرغم من ذلك لم نسمع عن حوادث طائفية في سوريا. و لكن منذ بداية الثورة إرتفع التجييش الطائفي إلى أعلاه، فصبغ النظام السوري الثورة السورية بصبغة طائفية ليؤلب عليها الرأي العام السوري فيسهل عليه قمعها. هكذا أذاعت الإخبارية السورية في 26 آذار بأن هناك "أنباء تفيد عن رفع المطالب الشعبية لتصل إلى إثارة النعرات الطائفية"، و قالت مستشارة الرئيس السوري بثينة شعبان أن "ما يحدث في سوريا هو محاولة إشعال فتنة طائفية"، ثم تابعت القول أن السلطات السورية ألقت القبض على سبعة عناصر تخريبية من جنسيات مختلفة و لكن حتى الآن لم نرى هذه العناصر. ثم تابع أزلام النظام الواحد بعد الآخر التكلم عن الفتنة الطائفية. كل هذا أدخل الريبة و الشك و الخوف في قلوب مواطنين يقطنون أحياء متجاورة. بالإضافة لهذا منذ بدء الثورة، فبدأت سياسة ممنهجة من الإضطهاد و التجويع الطائفي لناس في أحياء معينة، و في الأسابيع الأخيرة بدأت عملية تطهير طائفي من حمص، لإفراغها من معظم سكانها.

 وفوق ذلك كان قد عمد النظام إلى تسليح المدنيين من طائفة معينة منذ أمد بعيد، و لكن منذ بدأ الثورة أخذ ذلك منحاً أكثر سرعة و أكثر خطورة، فإذ به كأنه يضع النار في الهشيم. ففي بعض أحياء حمص كالنزهة و الزهراء تم تسليح كل من هو فوق السادسة عشرة في وضح النهار و على مرأى و مسمع بقية سكان المدينة بعلم من قيادة النظام على أعلى المستويات. ليس هناك أي شئ يمنعنا من الإعتقاد أن تسليحاً مشابهاً حصل في بعض مناطق الساحل كبانياس و جبلة.

بالرغم من القسوة المفرطة التي تعامل بها النظام مع الثورة السورية، فإن الثورة السورية بقيت سلمية حتى شهر أيلول تقريباً. خلال الأشهر الستة للثورة حدثت بعض حوادث الإنتقام من بعض الأطراف الموالية للثورة -كقتل العقيد التلاوي أو حادثة جسر الشغور- و لكنها بقيت فردية. و لجأ بعض المدنيين للتسلح، و لكن كان هذا التسلح فردياً بدوافع ذاتية لحماية أنفسهم من إعتداءات و إنتهاكات الشبيحة. و الحال، إن الغالبية العظمى من الذين قتلوا من أفراد الجيش و الشرطة في هذه الأثناء قتلوا على أيادي أفراد الجيش و الأمن لرفضهم إطلاق النار على المدنيين. هكذا بقيت الثورة السورية سلمية بإمتياز حتى نهاية شهر أيلول تقريبا،ً و بالتحديد إلى حين تشكل كتيبة خالد بن الوليد. و تشكلت هذه الكتيبة في الرستن من منشقين عن الجيش إنضم إليهم العديد من المدنيين من أبناء المدينة. من المهم الذكر هؤلاء المنشقين هم من أبناء مدينة الرستن عينها و أغلبهم عاين حوادث درعا و بناء عليه قرروا الإنشقاق، و أخذت الكتيبة على عاتقها حماية المدينة من إعتداءات الشبيحة و أجهزة الأمن. و مع حلول هذا الوقت أخذ عدد المنشقين يتزايد و أخذت دعوات التسليح لمواجهة الآلة القمعية للنظام تظهر من قبل بعض أطراف المعارضة -كمحمد رحال و لؤي الزعبي- ثم بدأت تنتشر دعوات التسليح على صفحات الفيسبوك، حتى صفحات التنسيقيات الإفتراضية -كتنسيقية القصاع و باب توما- لم تخلو من هذه الدعوات. هكذا تكاثر عدد الشبان الراغبين بحمل السلاح، و لما كان أغلب هؤلاء ليس لهم خبرات عسكرية ذات دلالة و لا يمتلكون الأسلحة إلتفوا حول المنشقين و هكذا بدأت تتشكل وحدات ما يسمى بالجيش السوري الحر. طبعاً هذا التطور  كان طبيعياً و مفهوماً من الناحية العلمية التاريخية، و ذلك للأسباب التالية:
·         عنف النظام المفرط.
·         إستخدام النظام لعصابات الشبيحة.
·         تسليح النظام للمدنيين الموالين له.
·         غياب المناطق الآمنة التي يمكن أن يلجأ لها المنشقون.
·         غياب القيادة السياسية الموجهة للثورة.
·         غياب الحل السياسي للأزمة السورية، بما فيها عجز المجتمع الدولي عن تبني سياسة واضحة تجاه القضية السورية.

الآن دعونا نستعرض مكونات الجيش السوري الحر. فبالإضافة لما يسمى بقيادة الجيش الحر الموجودة في تركيا، هناك تقريباً 33 وحدة من وحدات الجيش الحرعلى الأرض السورية، و هي موزعة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب و بشكل رئيسي في الجزء المتوسط الغربي من القطر. ثلاث منها فقط لها إتصال بقيادة الجيش السوري الحر في تركيا، و هذا الإتصال إلكتروني عبر الإنترنت. و الحال، إن هذه الوحدات الثلاث هي من الوحدات الأكثر فعالية من بين الوحدات الثلاث و هي: لواء خالد بن الوليد في حمص و كتيبة العمري في درعا و كتيبة هرموش في جبل الزاوية. من المهم أن نلاحظ أن أغلب قطعات الجيش الحر داخل القطر هي من المدنيين الذين إختاروا حمل السلاح، و تبلغ نسبتهم تقريباً 80%-90% من مكونات هذه القطعات. أيضاً من المهم الإنتباه أن هؤلاء المدنيين هم  من الأبناء المحليين للمناطق المتوجدين فيها ، و هم من طبقات مختلفة في المجتمع، فبعضهم أطباء و مهندسين و بعضهم طلاب جامعات و آخرون من مهن مختلفة أخرى، لذلك هم ليسوا بعصابات، لا بل هم مقتنعون كلياً بالسبب الذي من أجله حملوا السلاح و هو حماية أهلهم من الأمن و الشبيحة من التفتيش و الإعتقال التعسفيين، و أيضاً حماية المظاهرات السلمية. هذا لا يعني أن بعضهم لا يتصرف بتصرفات غير مسؤولة أو طائشة و خصوصاً في أماكن التوترات الطائفية كحمص. نقطة أخيرة يجب أن أوكد عليها أنه ليس بين هؤلاء مقاتلين أجانب (أي غير سوريين)، و أن تدين أغلب هؤلاء هو تدين شعبي إجتماعي بسيط ليس نابعاً من موقف سياسي ديني أو تعصب طائفي.

كل هذه العوامل إضافة للفوضى التي ستتبع سقوط النظام ستجعل مهمة حفظ الأمن واحدة من أصعب المهام التي ستواجهها الحكومة السورية الإنتقالية، و ذلك للأسباب التالية:
·         أصبح عندنا جيشين النظامي و الحر و هما في حالة عداء، و المصالحة بينهما ستكون صعبة جداً.
·         الجيش النظامي يتضعضع، و في حال سقوط النظام عبر وسائل غير سياسية،هذا الجيش سينفك عقده، و بعض عناصره خصوصاً تلك التي في الفرقة الرابعة و الحرس الجمهوري ستفر وتشكل عصابات عسكرية.
·         الشبيحة سيتحولون إلى عصابات تعكر صفو الأمن و تقض مضجع المواطنين في كثير من أنحاء البلاد.
·         بعض عناصر الجيش الحر لن تتخلى عن مواقعها أو تسلم سلاحها بسهولة.
·         التوترات الطائفية في حمص ستكون واحدة من أهم التحديات الأمنية بعد سقوط النظام.

تحديات المرحلة الإنتقالية في سوريا -رقم 2- المصالحة و الشفاء


تترك فترات الإضطرابات السياسية الحادة كالثورات و الحروب الأهلية  آثاراً نفسية و إجتماعية بالغة على الأفراد و المجتمعات. هذا لأن هذه الإضطربات الحادة عادة غالباً ما تكون مسبوقة بسنوات طويلة من الحكم الإستبدادي أو العنصري أو الشرخ الإجتماعي العميق المؤدي إلى الكدر و العسر و الألم و الحنق المتراكم المكبوت الذي ينفجر في لحظة من اللحظات، و فوق هذا يأتي التعامل العنيف للسلطات مع هذا الإنفجار. هكذا ففوق الإحساس بالعسرة و الجور و الحنق يأتي التفتيش التعسفي والإعتقال و الإهانة و التعذيب و التنكيل و الضرب و الإغتصاب و القتل و أصوات الرصاص و المدافع و القنابل. كل هذا يعمق الشروخ الإجتماعية و يترك إعاقات جسدية و نفسية بالغة. أما الجسدية منها فقد تترواح من فقدان جزئي أو كلي لأحد الأعضاء إلى شلل و ظيفي كامل يجعل الشخص عاجزاً و مقعداً كل عمره. و أما النفسية منها فقد تتراوح من ذكريات أليمة تأتي من وقتٍ لوقت إلى كره و حقد و غل و رغبة في الإنتقام أو إلى إمراض نفسية مقعدة كفقدان الذاكرة و تخدر المشاعر و "إضطراب الضغط النفسي ما بعد الصدمة" و الإكتئاب التي تحتاج لعلاجات نفسية و ربما دوائية مديدة.

طبعاً ليس لدينا أي تقويم موضوعي للأضرار النفسية و الجسدية التي تركتها الأزمة الحالية على السوريين، و لكن إنه من الطبيعي أن نعتقد أن السوريين في بعض المناطق التي حصل فيها عنف -كالرستن و تلكلخ و جسر الشغور و درعا و خصوصاً حمص -يعانون من بعض أو كثير من الإضطرابات التي ذكرتها سابقاً، فهل نهملهم كلياً أو  نتركهم لحالهم قائلين "و فقكم الله و جازكم خيراً، نعلم أنكم دفعتم ثمناً كبيراً، و لكن ليس لدينا الإمكانية أن نفعل شيئاً لكم''. و الحال أن ترك هؤلاء و إهمالهم لا يليق بدولة جديدة تدعي أنها تقوم على أساس الأخلاق الإنسانية، إذ ما من دولة تقوم على هذا الأساس و تهمل الذين دفعوا ثمن نشأتها. كما أنه لا يليق بدولة تدعي أنها تنوي إقامة عقدٍ جديد مع مواطنيها أن تترك الأكثر ضعفاً فيها ليواجهوا مصيرهم البائس لوحدهم. و هو لا يليق بحكومة تدعي الحكمة و الحصافة إهمال هؤلاء، فإهمالهم سيؤدي إلى مشاكل إجتماعية جمّة إبتداء من البطالة إلى إلى الجرائم المتنوعة كالسرقة و القتل و الإقتتال. إذاً ما هو الحل؟

إن الحل لمثل هذه المشكلة سيكون عبر إنشاء ما يسمى "هيئة الحقيقة و التراضي". و هذه الهيئات عادة ما تنشأ بعد فترة إضطراب داخلي أو حرب أهلية أو حكم دكتاتوري أو نظام عنصري، و تتكون من أناس من مختلف الإختصاصات، و هدفها إكتشاف الحقيقة و معالجة الضحايا و إعادة تأهيلهم و تعويضهم -لحد معقول- عن الأذى الذي ألحق بهم، و أيضاً المصالحة بين مختلف فئات المجتمع التي شاركت في النزاع. و نظراً لنجاح هذه التجربة فقد طبقت على الأقل في ٢٢ دولة حول العالم و منها الإرجنتين و البرازيل و ليبيريا و الولايات المتحدة و كندا. و لكن التجربة الأكثر ريادة من بينها جميعاً كانت تجربة جنوب أفريقيا التي على أساسها بنيت التجارب الأخر.

أسس نلسون مانديلا "هيئة الحقيقة و التراضي" عام ١٩٩٥، و كانت الغاية من هذه الهيئة مصالحة مختلف فئات الشعب مع بعضها و أيضاً مصالحتها مع الماضي بعد حكم الأبارتيد. إرتكزت هذه الهيئة في عملها على المبادئ التالية:
1.      معرفة حقيقة ما جرى من إنتهاكات من كلا طرفي للنزاع.
2.      منح الضحايا فرصة التعرف على مقدار الإنتهاكات التي كانوا ضحيتها.
3.      تأهيل الضحايا و منحهم تعويضات.
4.      منح الجناة العفو إذا ما إعترفوا بما فعلوا.
5.      أخيراً إخبار الأمة عن حقيقة ما حدث.

و لتجنب العمل بمبدأ "العدل للمنتصرين فقط" إستمعت اللجنة لكل من تعرض لإعتداءات إن كان من طرف جانب فصائل التحرير أو من الطرف المقابل على حدٍ سواء. لقد كانت هذه التجربة ناجحة جداً و لكن أخذ عليها منحها العفو للجناة.

لهذا فإنني أقترح إجراء تجربة مشابهة في سوريا مع بعض التعديل لتوافق الواقع السوري، و ذلك عبر تشكيل لجان مصالحة مكونة  أطباء و ممرضين و معالجين نفسيين و إختصاصيين في علم الإجتماع و محامين و رجال دين و سياسيين، هدفها رأب الصدع الطائفي و العرقي في المجتمع السوري و ذلك عبر:

1)      تحقيق المصالحة الإجتماعية بين مختلف فئات الشعب السوري.
2)      إكتشاف ما حدث من إنتهاكات و جرائم سياسية خلال  فترة حكم الأسدين (الأب و الابن).
3)      تقديم التأهيل و التعويض للضحايا أو لذويهم المتضررين.
4)      تقديم الجناة لمحاكمات عادلة مع الأخذ بعين الإعتبار الظروف المخففة.
5)      كشف كل ما حدث للشعب السوري.
           
على أن تقوم الحكومة الإنتقالية بالمصالحة للمناطق الأكثر تضرراً و التعويض للأشخاص الأكثر حاجة -أي عملياً الذين تضرروا منذ 15 آذار -بينما تترك الباقي -أي الأربعين سنة ماضية- للحكومة المنتخبة. برأيي أن هذه الطريقة الأمثل لشفاء الجروح التي تراكمت في المجتمع السوري على مدى عقود كثيرة مضت.

تحديات المرحلة الإنتقالية في سوريا -رقم 1- المشاركة الشعبية في العملية السياسية



·        طبيعة المشاركة الشعبية في العملية السياسية:

غاية العملية السياسية هي مساعدة الشعب على تحقيق حاجاته الأساسية من طعام و أمان و صحة و تعليم و عمل و إبداع و تحقيق ذات. و لكن من يستطيع تحسس حاجات الشعب غير الشعب نفسه، لهذا لا يمكن للسياسي أن يقوم بعمله على أكمل وجه من غير تواصل مع الشعب و السماع له و التفهم لطلباته و أمنياته. غير أن هذه الطلبات و الأمنيات غالباً ما تأتي عفوية و فطرية و أحياناً إنفعالية لا تنظر للأمور بكليتها، لهذا فإنه من واجب الطبقة السياسية التمعن بها و صياغتها على شكل قوانين و سياسات و إجراءات كل هذا بالتعاون مع التكنوقراطيين الذين يشغلون إدارات الدولة . و أخيراً فإنه من واجب السياسيين إلهام الشعب و تفعيله و تنظيم عمله.

بالمقابل بقدر ما تنجح العملية السياسية في تحقيق غايتها هذه فإنها تكتسب إهتمام الشعب بها و مشاركته الفعالة فيها. و الحال، إن هذه المشاركة الإيجابية هي ضرورية لنجاح العملية السياسية ذاتها، إذ إن الشعب ليس فقط مستهلك في هذه العملية بل أيضاً منفذ و منتج لها، و ذلك عبر الإنجازات المهنية لأفراده و تحقيق واجباتهم المدنية و إختيارهم الحر لقياداتهم السياسية و أيضاً تشكيل الهيئات غير الحكومية.

 هكذا يمكننا تشبيه العلاقة بين الشعب و الطبقة السياسية كالعلاقة بين الدماغ و أعضاء الجسم، فالدماغ يتلقى التنبيهات الحسية من مختلف أعضاء الجسم -و التي هي عفوية و خام- ليحللها و يقرر ما يجب عمله لضمان صحة الجسم ككل و من ثم يرسل التعليمات للأعضاء لتقوم بما يجب عمله، هكذا يضمن الجسم سلامته و حسن عمله عبر التناسق و التناغم بين أعضائه. و لهذا إذا ما إنقطعت العلاقة العضوية بين الطبقة السياسية و الناس فإن ذلك يقود إلى الخلل الوظيفي (أي الفوضى) و الألم (أي التذمر) و المرض (أي الإضطرابات) و ربما الوهن و الموت) و هذا ما وصل إليه حكم الأسد(.

·        معوقات المشاركة الشعبية في العملية السياسية في المرحلة الإنتقالية:

و الحق، إن إقامة مثل هذه العلاقة العضوية بين الشعب و الحكومة الإنتقالية ستكون واحدة من أبرز التحديات التي ستواجه هذه الحكومة، إذ يقف حيالها صعوبات و معوقات جمّة أهمها:

1.      الحالة الأمنية: مما لا شك فيه أن لا أحد يستطيع التكهن كيف ستكون الحالة الأمنية بعد سقوط النظام، و لكن هناك دلائل عديدة تشير إلى أنها ستكون صعبة، فهناك عصابات الشبيحة، و هناك تسليح النظام لمدنيين من طائفة معينة، و هناك التجييش الطائفي، و هناك مدنيون يتسلحون رداً على إنتهاكات النظام، و أخيراً هناك شروخات في الجيش و تقاتل بين أفراده. فكل هذا ينذر أن الحالة الأمنية ستكون واحدة من التحديات التي ستواجه الحكومة الإنتقالية مستنفذة قواها و مانعة إياها من توفير حاجات المواطنين و إقامة علاقة صحية معهم.

2.      الدمار و الخراب: لا أحد يعرف ما هو حجم الخراب و الدمارالحاصل في بعض المدن كاللاذقية و درعا و حماة و جسر الشغور و إدلب و تلكلخ و الرستن و حمص. و أيضاً هناك مليون و نصف المليون جائع بحسب منسقة الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، و هذا العدد مرشح للتزايد. فمن سيؤمن لهؤلاء المسكن و الطعام؟ فإذا ما تأخرت الحكومة الإنتقالية في معالجة هذا الموضوع، فذلك سيخلق شرخاً بينها و بين سكان هذه المناطق و سيؤدي إلى إبتعادهم و عزلتهم عن العملية السياسية، و ربما نشؤ إحتجاجات.

3.      الوضع الإقتصادي : بحسب دراسة قام بها برنامج التنمية في الأمم المتحدة بين عامي 2004-2007  فإن نسبة الناس التي تعيش تحت خط الفقر كانت 34% أي 7 ملايين نسمة و منها 12% أي 2.5 مليون يعيشون في فقر مدقع. في دراسة أجراها مركز فولفينسون للتنمية عام 2007 ، و صلت نسبة البطالة المسجلة رسمياً إلى 25% بين الذين هم في سن العمل، و بلغت بشكل خاص إلى حوالي 50% بين الشباب الذين بين أعمار 15-24 عاماً. طبعاً لا شك أن هذا مدلول كبير على الحالة البائسة التي كان يعانيها الإقتصاد السوري قبل الثورة. و لكن مع حدوث الثورة إنضربت مختلف القطاعت الزراعية و السياحية و أيضاً قطاع البترول. فعلى الصعيد الزراعي، إن إنشغال الفلاحين بالثورة،  و تدمير النظام لأراضيهم و مواشيهم، و فوق ذلك تقطع وسائل المواصلات و أيضاً شح الوقود أدى إلى تعطل الإنتاج الزراعي. أما على الصعيد السياحي فإن أكثر من 95% من السياحة الخارجية قد توقف.  و أما إنتاج البترول فقد إنخفض بنسبة أكثر من 60%، و الإنتاج الباقي بالكاد يؤمن الحاجة الداخلية السورية. و جاءت العقوبات الأوروبية و الأمريكية و أخيراً العربية لتشل التجارة السورية. كل هذا أدى إلى إرتفاع سعر الليرة، و نقص السيولة المادية، و نقص الإحتياطي من العملة الأجنبية. إن كل هذا سيضع عبئاً كبيراً على الإقتصاد سيستمر لسنوات عدة بعد سقوط النظام.

4.      التوترات الطائفية: كلنا نعرف أن النظام منذ بداية الأحداث فاقم لعبه على الوتر الطائفي فإدعى أن الثورة ذات لون طائفي واحد، لا بل يقودها متطرفون من تلك الطائفة، و أفهم بعض الطوائف أن و جودها بخطر، و أقنع طوائف أخرى أن طريقة حياتها و مواردها الإقتصادية هي على المحك، كلنا نعرف أن هذا غير صحيح. و لكن هذا أدخل هذه الطوائف بحالة خوف و ريبة، وهذا الخوف و الريبة يتعمقان كل يوم مع الإشاعات و الحروب الإعلامية. كل هذا سيدخل أبناء هذه الطوائف في حالة عزلة تمنعها عن المشاركة الفعالة في العملية السياسية، قد  تكون هذه العزلة طويلة المدى إذا لم يتم معالجتها بشكل صحيح.

5.      الإنقسام الحاد في المجتمع السوري تجاه الثورة: لا أبالغ إستقطاباً حاداً فيما يخص الثورة في المجتمع السوري. هذا مايتبين من خلال الإستفتاءات المتكررة التي تحمل العناوين "هل أنت معارض أم مؤيد؟"، طبعاً المشكلة ليست في الإنقسام بل في حدّية هذا الإنقسام. كتب لي أحد أصدقائي يقول أن الكثير من رفاقه أصبحوا يتهمونه بأنه خائن و عميل و لم يعودوا يتكلمون معه و صار مرذولاً بينهم لأنه يؤيد الثورة. تقول الشاعرة رشا عمران) و هي من طرطوس(:  "حتى الآن ، أنا شخصيا لم أتعرض لأية مضايقة أمنية مباشرة ، هذا حقيقي، ولكن عندما ترسل لي تهديدات بالقتل من مدينتي باعتباري رأس الفتنة هناك ، وعندما يهددني (إبن عمتي) وبعض أقاربي بأنهم في حال سقوط النظام سينتقمون مني بابنتي ، فلا أستطيع إبعاد المزاج الأمني عن هذه التهديدات ! "لا شك أن كل هذا الإنقسام المجتمعي لن ينتهي فور سقوط النظام، و هو سيمتد إلى أشهر أو ربما سنوات بعد سقوطه. كل هذا الإنقسام و الإستقطاب سيعيق الشعب عن المشاركة في إعادة الحياة في سوريا الجديدة إلى حالة شبه طبيعية. و الحال، إن هذه الإعادة هي جوهر العملية السياسية في المرحلة الإنتقالية. 

6.      عدم إتقان الشعب لممارسة العملية السياسية: بالرغم من أن سوريا شهدت منذ الإستقلال بعض السنوات من الحكم ذي الطبيعة الديمقراطية) عملياً من 1946 -1949 و من 1954 – 1958)، لكنها لم تشهد حياة ديمقراطية حقيقية، إذ لم تتميز بمشاركة شعبية في العملية السياسية. و كان ذلك لعوامل عدة منها:
       I.            العصبية العرقية و الطائفية في المجتمع السوري.
    II.            الإنقسام الحاد بين فئات الشعب المختلفة: المدينية و الريفية و البدوية و خصوصاً مع سيادة الروح القبلية في القرى و العشائرية في البادية. و حتى في المدن كان هناك فصام بين عامة الشعب و الطبقة البرجوازية.
 III.             الإهمال الكبير الذي عانته المناطق القروية و البدوية.

هكذا إنشغل السوريون بأمور ضيقة الأفق، فنشأ فصام بين الحياة اليومية للسوريين و العملية السياسية، و تجلى هذا بعزوف كثيرين منهم عنها، و إذا يوماً ما شاركوا بأحد أوجهها ) و غالباً ما يكون الإنتخاب البرلمانية ( فيكون ذلك لسبب عرقي أو طائفي أو قبلي و ليس للحفاظ على مصلحة البلد، و إن تكلموا فيها فبسبب تعصب حزبي أو أيديولوجي أعمى و ليس لمناقشة أمورٍ حياتية تهمهم كمواطنين.
 ثم جاءت السنوات العجاف للحكم الأسدي فمحت كل ذاكرة سياسية و أبعدت الشعب كلية عنها. لهذا كله نرى أن 50% من الشعب السوري ما زال يقبل بنظام سياسي مجرم على رأسه رجل مهبول و كأن ليس لهم أي حس أو أخلاق سياسية. و أيضاً نشاهد الآن إنقسامات و صراعات مازالت تحمل جذوراً من الماضي فيها شئ من العصبية العرقية و الطائفية و الأيديولوجية الصلبة، و محاولة إمحاء كل من لا يتفق معنا بالرأي، و فوق ذلك سطحية سياسية و عدم فهم لمعنى المواطنة لا من حيث الحقوق و لا الواجبات.

7.      عدم إتقان الطبقة السياسية لفن السياسة: ما ينطبق على الشعب السوري من حيث فقدانه للوعي السياسي ينطبق أيضاً على الطبقة السياسية. لتوضيح هذه الفكرة دعوني أعود إلى فترة مابعد الإستقلال، إذ سيكون هناك تشابه كبير بين هذه الفترة و المرحلة التي ستلي سقوط الأسد. فمعركة الإستقلال كانت ثورة سلمية بكل معنى الكلمة، قادها آباء الإستقلال بكل مثابرة و ذكاء، و إنتهت بتأسيس جمهورية مدنية تعددية مبنية على مؤسسات ذات طبيعة ديمقراطية. و لكنهم بعد الإستقلال إرتكبوا أخطاءً كثيرة أدت إلى إجهاض هذه الديمقراطية و من ثُمّ موتها، لهذا يجب الإنتباه لعدم تكرارها في المرحلة الإنتقالية القادمة:
                               I.            إعتبروا أنه بمجرد الإستقلال و تشكيل دولة مدنية قائمة على أساس مؤسسات ذات صبغة ديمقراطية يتساوى فيها كل الأفراد فإن كل مشاكل سوريا إنتهت. لذلك لم يجهزوا أي برنامج إقتصادي أو إجتماعي و لم يقوموا بأي إصلاح إداري.
                            II.            إعتمدت النخب السياسية في حملاتها الإنتخابية على تاريخها النضالي بدل إعتمادها على برامج إقتصادية أو إجتماعية تمس حياة المواطنين مباشرة.
                         III.            فوراً بعد الإستقلال إنقسمت الكتلة الوطنية إلى حزبين هما الحزب الوطني و حزب الشعب و ذلك بحسب رؤيتهما لهوية سوريا الوطنية، فبينما أراد حزب الشعب لها أن تكون جزءاً من الكتلة الهاشمية (الأردن و فلسطين و العراق)، نظر الحزب الوطني إليها كدولة مستقلة في محيطها العربي. و بدلاً من أن يلجأ الطرفان للشعب (أي للإستفتاء العام) للفصل في هذا الموضوع، تحول هذا الأمر إلى صراعات شخصية أدمت الطرفين، و كأن الشعب لا يحق له أن يكون لاعباً سياسياً معنياً بمصير البلد.
                         IV.             إبتعد الإهتمام و الخطاب السياسيان عن أمور المواطن العادي ليتركز على أمور العالم العربي و رؤية كل طرف لموقع سوريا في هذا العالم.
                            V.            لتقوية نفوذه في الداخل لجأ كل طرف إلى المحسوبيات، هكذا إنتشر الفساد في إدارات الدولة و خسر الطرفان قاعدتهما الشعبية.
                         VI.            لم يدرك شكري القوتلي أهمية رص الصف الداخلي قبل بدء الحرب، هكذا لم يؤسس حكومة وحدة وطنية، و هذا ما كان يطلبه حزب الشعب. بل لجأ إلى تغيير الدستور ليحق له الترشح للمرة الثانية لرئاسة الجمهورية. بالمقابل لجأ حزب الشعب إلى تحريض الشارع ضد حكم القوتلي بالرغم من أن سوريا كانت في حالة حرب. و طبعاً هذه جريمة كبرى.
                      VII.            رفضت الطبقة السياسية أن تتحمل مسؤولية فشلها في الحرب و هذا كان واحد من أسباب إنقلاب حسني الزعيم. و الغريب أن الطبقة السياسية لم تفعل أي شئ لمقاومة هذا الإنقلاب، كل هذا ليدل على شللها. و أيضاً لم يهتم الشعب لهذا الإنقلاب على الديقراطية، و كأنه غير معني بالعملية السياسية.
                   VIII.            إزدياد نفوذ الجيش في العملية السياسية في الخمسينات و الستينات، و هذا قضى على الحياة السياسية المدنية.
                         IX.            الإيمان بعقائد جافة و إستعمال لغة التخوين في الخمسينات و الستينات، و هذا شلّ العملية السياسية كلياً.
                            X.            جاء أخيراً حكم البعث ليميت كل نشاطٍ سياسي و يزرع فيه الريبة. هكذا إنتهينا مع طبقة سياسية تحمل شيئاً من كل الأمراض السابقة ولكنها ميتتة و مزروعة بالريبة أيضاً.

هكذا فإن تأسيس دولة تعددية مدنية ذات مؤسسات ديمقراطية لا يكفي لضمان عملية سياسية سليمة، فمن غير طبقة سياسية ذكية و فطنة تعرف متاهات اللعبة السياسية و أصولها فلا يمكن لهذه العملية الإستمرار، و من غير كتل سياسية تمتلك برامج إجتماعية و إقتصادية مدروسة و خلاقة لا يمكن لهذه العملية الإزدهار.

·        حلول و مقترحات:

لهذا كله و بسبب جسامة التحديات التي تنتظر الحكومة الإنتقالية فإنني سأطرح بعض الأفكار العملية التي ربما ستساعد على تجاوز هذه التحديات:

1.      تشكيل لجنة أمنية منذ الآن لدراسة المعوقات التي ستعيق السلم الأهلي.
2.      محاولة تشجيع أبناء المناطق المنكوبة ليقوموا بالبناء بأنفسهم و لكن الدولة ستقدم لهم العون. تشكيل لجان من أبناء هذه المناطق عينها للقيام بذلك. يجب التركيز على أن الشعب هو الذي يبني بينما الحكومة تساعد و توفر الإمكانيات و تدير.
3.      الطلب من المؤسسات العالمية غير الحكومية المشاركة في توفير الطعام و الدواء للمناطق المنكوبة.
4.      عقد مؤتمر إقتصادي دولي لمساعدة سوريا.
5.      الإتصال بأبناء الأقليات المؤيدين للثورة لوضع أفكار تساعد إندماج أقلياتهم في العملية الإنتقالية. إنها مسؤوليتهم تطمين أعيان و أبناء أقلياتهم فيما يخص الثورة و مستقبل البلد.
6.      عقد مؤتمر لرؤساء الطوائف في سوريا. ليس لكونهم شخصيات سياسية، بل لكونهم شخصيات وطنية إعتبارية لهم دور مهم في إلتئام الجرح الطائفي الذي حصل.  
7.      تشكيل لجنة مصالحة و تراضي لتحقق المصالحة بين فئات الشعب و لتلأم الجراح التي خلفتها الأزمة السورية الحالية .
8.      التركيز على أن سوريا الجديدة هي لجميع السوريين إن كانوا مع الثورة أو ضدها، و توجيه الشعب للتركيز على عملية البناء بدل الضياع في الخلافات غير المجدية.
9.      التوعية السياسية للسوريين، و تذكير الشعب بأهمية دوره الفاعل في العملية الإنتاجية و السياسية.
10.  تأهيل الكوادر السياسية منذ الآن لفهم مضمون العملية السياسية و إدراك فنونها و ذلك بعقد ورشات عمل، و أيضاً عبر مراكز الدراسات غير الحكومية.

 هكذا فإن إدراك الحكومة الإنتقالية للمعوقات التي ستقف حائلاً دون عيش المواطنين لحياة مستقرة و قدرتها على تجاوز هذه المعوقات مع الشعب نفسه سيحددان مقدار ثقة الشعب بالعملية السياسية و إشتراكه بها. و كل هذا لن يكون فقط ضرورياً لضمان فترة إنتقالية ناجحة بل أيضا للتأسيس لحياة ديمقراطية ذات أسس سليمة على المدى البعيد.


ملاحظة: قُدم هذا البحث في مؤتمر عقد في تونس بتاريخ 21 و 22 كانون أول/ديسمبر عام 2011 تحت عنوان "تحديات المرحلة الإنتقالية في سوريا".