الاثنين، 10 أكتوبر، 2011

المعارضة السورية أمام امتحان دبلوماسي دقيق

تشكل الزيارة التي سيقوم بها وفدا المعارضة السورية المبعوثان من قبل الملجلس الوطني السوري و هيئة التنسيق الوطنية لموسكو يوم الثلاثاء القادم حدثاً ذو معنى خاص ، إذ إنه لا يدل فقط على أن المعارضة بدأت تكتسب ثقلاً عالمياً  و ربما على أن النظام قد بدأ يفقد معظم حلفائه في العالم و بالأخص حليفته الأكبر روسيا، بل لأنه أيضاً يشكل امتحاناً للحذاقة الدبلوماسية لجناحي المعارضة.

لقد ارتكزت سياسية روسيا في منطقة الشرق الأوسط على حماية حليفها النظام السوري، إذ إنه ليس فقط أحد زبائن صناعة أسلحتها و الذي يؤمن لها منفذاً عسكرياً على البحر المتوسط عبر قاعدتها العسكرية المتواجدة بالقرب من مدينة طرطوس، و لكنه أيضاً "بممانعته "العالية التكلفة لشعبه يبطئ الامتداد الغربي إلى الشرق الأوسط الذي لا تقدر روسيا على منافسته. هكذا حمت روسيا الأسد من العقوبات التي كانت الدول الغربية تنوي فرضها عليه عبر مجلس الأمن في عامي 2005 و 2006 عقب جريمة اغتيال الحريري، إذ قامت روسيا بالعمل على إيجاد حلٍ وسط يقوم على أساس تعاون الأسد مع التحقيق الدولي مقابل عدم وضع ضغط كبيرعليه. كل هذا أعطى الأسد فرصة لفك عزلته و تحسين وضعه الدولي.

حاولت روسيا اعطاء نظام الأسد الوقت للخروج من الأزمة السورية الحالية على غرار ما فعلت بعد اغتيال الحريري، فنصحته باجراء بعض الاصلاحات، ثمّ دافعت عنه بدعوى أنه يحتاج لوقت لتحقيق الإصلاحات التي وعد بها. وهي فعلت هذا متشجعة ببعض أطراف المعارضة التي كانت ترى أن التحول الديمقراطي لا يتطلب التخلص كلياً من النظام الحالي، بل يتطلب فقط التخلص من الأجهزة المخابراتية التي أقضت مضجع الشعب و الماكينة العسكرية استنفذت مقدراته. و هكذا اعتقدت روسيا أن بقاء الأسد ممكناً، و أنه من الممكن التوصل لحلول وسط بين النظام و المعارضة، وأن اطراف المعارضة التي لا تتفق مع هذا الرأي هي متعنتة و متطرفة، و أن الدول الغربية متسرعة و متهورة. لهذا أصرت روسيا منذ البداية على ضرورة الحوار بين النظام و المعارضة مع التمسك ببقاء النظام، و نددت بأطراف المعارضة التي لا ترى جدوى من هذا الحوار، و لهذا عملت على منع أي قرار من مجلس الأمن يدين النظام .لكنها وافقت في شهر آب على بيانِ رئاسي يتضمن دعوة صريحة ومباشرة لوقف كافة أشكال العنف ومشاركة كافة القوى السياسية فى حوار سياسى بناء . ثمّ استخدمت الثلاثاء الماضي حق النقض ضد مشروع القرار الأوروبي المدين لأفعال النظام محذراً إياه أن أفعاله القمعية ستؤدي به إلى مزيد من العزلة و العقوبات. ولتبرير هذا النقض استخدمت حجتين معلنتين، الأولى هي أن القرار لم يتضمن إدانة للمعارضة بالإضافة لإدانته النظام، والثانية هي أنها لا تريد مشاهدة تكرارٍ للمشهد الليبي على الأرض السورية.

ها نحن في نهاية الشهر السابع من الإنتفاضة و رهان روسيا على اصلاحات الأسد و على حوار بين النظام و المعارضة لم يتحقق، فإذاً فما هو خطأ التقدير الذي ارتكبته الإدارة الروسية؟ أولاً إن روسيا اعتبرت أن بشار مازال ليناً كما كان قبل خمس سنوات، فبشار بعد جريمة اغتيال الحريري قَبِلَ بأن تأتي لجنة التحقيق إلى دمشق و وفّر لها كل التسهيلات للقيام بعملها، برغم أن هذا القبول كان جرحاً لكبرياء النظام، و فوق ذلك بشار كان مستعداً للتضحية بزوج أخته آصف شوكت لإنقاذ النظام لو اقتضت الحاجة. و لكن هذه المرة ظهر بشار متعنتاً متعجرفاً، لم يسمح له كبرياءه بتقديم أي اعتذارٍ لأهالي درعا، و لم يقدم للعدالة ابن خالته عاطف نجيب جزاءً على جرائمه،  و حتى لم يعترف بحقوق الشعب أو بالمعارضة التي أرادته روسيا أن يحاورها. أيضاَ فبينما كانت جريمة قتل الحريري حدثاً واحداَ من غير دلائل مباشرة تدين النظام، فالنظام اليوم يكرر جرائمه اليوم في وضح النهار من دون آي خوف أو حياء. كل هذا جعل إمكانية جلوس المعارضة على طاولة المفاوضات مع النظام للوصول إلى حلٍ يرضي الطرفين معدومة. فهل يا تُرى بدأت روسيا تدرك الحقيقة؟ و هل تصريح رئيسها الذي قاله في الأيام الماضية معلناً أنه إذا كان الأسد لا يستطيع اجراء الإصلاحات فعليه بالتنحي هو خطوة في هذا المجال؟ و هل دعوة القيادة الروسية لجناحي المعارضة السورية لزيارتها هو إعلان بأن السياسة الروسية لم تعد ترتكز على تشجيع الحوار بين النظام و معارضة تقبل بوجوده، بل هي قائمة منذ الآن فصاعداًعلى تشجيع الحوار بين معارضتين لهما رؤيتين مختلفتين لحل الأزمة الحالية؟ هذا ما ستجيبنا عليه تطورات الأيام القادمة و أيضاً وفود المعارضة التي تزور العاصمة الروسية.

لاشك أن المجلس الوطني السوري و هيئة التنسيق الوطنية لهما رؤيتان مختلفتان لحل الأزمة الحالية، وطبعاَ هذا الاختلاف لا ضير فيه، لا بل هو طبيعي و سليم طالما أن كل طرف يحترم الآخر و لا يُخوِّنه، و ربما يكون مفيداً إذا عرف الطرفان استخدامه. منذ بدأت الثورة اتخذت الفصائل التي انضوت لاحقاً تحت لواء هيئة التنسيق رؤية مختلفة لحل الأزمة  من تلك التي انضوت تحت راية المجلس الوطني، فبينما الأولى رأت أنه يمكن تحقيق الديمقراطية بإصلاح النظام عبر تخليه عن طبيعته الأمنية و العسكرية، رأى الثاني أن النظام لن يتخلى عنهما طوعاً لذلك وجب اسقاطه. و الحقيقة أن الهيئة استمرت على موقفها هذا إلى ما بعد مؤتمر حلبون الذي عقد في شهر أيلول الماضي حيث تعرضت الهيئة لانتقادات عنيفة من قِبَلِ شباب الثورة تصل لحد السخط لعدم و ضعها اسقاط النظام كجزء من برنامجها. بعد هذا تبنت الهيئة هذا الشعار و لكن قالت "لا" لأي تدخل خارجي من أي نوع كان، بينما لم يستبعد المجلس الوطني فكرة  التدخل الخارجي و لكن من غير أن يحدد ماهيته. لا شك أن روسيا ستميل إلى رأي هيئة التنسيق لأنها من حيث المبدأ ترفض أي تدخل غربي في الأزمة السورية و خصوصاً إذا كان عسكري ، وأيضاً بسبب التركيبة اليسارية الاشتراكية لمعظم الأحزاب المنضوية تحت عبائتها.

و السؤال الذي يمكن أن يُطرح الآن طالما أن المجلس الوطني و هيئة التنسيق أصبح لهما قاسم مشترك واحد في برنامجيهما لحل الأزمة السورية و هو اسقاط النظام، فهل يمكن أن يعملا بتناسق خلال زيارتهما لموسكو لاقناع المضيف الروسي بضرورة هذا الاسقاط؟ مما لا شك فيه أنه إذا استطاع جناحي المعارضة العمل بتناسق فإن بإمكانهما فعل الكثير. لذلك فأولاً و قبل كل شئ على الوفدين أن يستفسرا عن حقيقة الموقف الروسي الآن، فهل مازالت روسيا تعتقد بأنه يمكن حل الأزمة السورية دون اسقاط النظام؟ ثم على الوفدان أن يناقشا القيادة الروسية في حجج النقض الروسي لمشروع القرار الأوروبي الذي قدم لمجلس الأمن الأسبوع الماضي. فبينما تبدو حجة إدانة المعارضة و النظام على السواء واهية و غير عادلة إذ لايمكن مقارنة الجلاد بضحيته و خصوصاً بعد انتقاله إلى مرحلة جديدة في اجرامه مع قتله لمشعل تمو و إيذائه لرياض سيف جسدياً، فإن حجة تكرار المشهد الليبي على الأرض السورية تستحق النظر، إذ إنني أعتقد أن أوربا و أمريكا لا تريدان تدخلاً عسكرياً في سوريا على غرار ما حدث في ليبيا، و أيضاً فإن الشعب السوري لا يريده أيضاً، فنحن نعرف كيف أن السوريين شديدي الحساسية لأي انتهاك لسيادة بلادهم، وأيضاً فإن أي ضربات من الناتو ستلحق الأذى بالمدنيين و المنشآت المدنية نظراً لكثافة السكان العالية في الكثير من المناطق السورية. و أخيراً على الوفدين أن يطرحا إمكانية صياغة مشروع قرار جديد في مجلس الأمن يؤدي لزيادة عزلة النظام السوري و خنقه.

 بسبب كل ما ذكرت آنفاً فإنني أقول أن مهمة وفدي المعارضة الذاهبين إلى موسكو الثلاثاء القادم ستكون شديدة الدقة و بالغة الأهمية. لهذا أقول لأعزائى في هيئة التنسيق كونوا عمليين و بينوا للقيادة الروسية أن حلّ الأزمة السورية يبتدأ باسقاط النظام، و أقول لأصدقائي من المجلس الوطني انتبهوا ألا تضعوا العربة أمام الحصان، فنحن لا نريد إثارة حفيظة أحد، و نريد اسقاط النظام بأقل التكاليف المادية و البشرية الممكنة حتى لو تطلب ذلك بعض الوقت، و أقول لكليهما إذا احسنتما الأداء و عملتما بتناسق فإنكما ستقدمان خدمة كبيرة للشعب السوري.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق