الثلاثاء، 15 نوفمبر، 2011

الدبلوماسية الروسية نسر ذو رأسين



أُستخدمت صورة النسر ذي الرأسين مراراً في التاريخ، و و لكنها ارتبطت أكثر ما ارتبطت بالأمبراطورية البيزنطية و بخليفتها الإمبراطورية الروسية كرمز لقوتها و عظمتها و كتعبير عن ثنائية سلطة الإمبراطور المدنية و الدينية. و لكن عندما تخلص السوفييت من الإمبراطورية الهرمة تخلصوا من كل بقاياها بما فيها هذا الرمز مستبدلين إياه بعلامة المنجل و المطرقة. إستعاد بوريس يلسين صورة النسر ذي الرأسين كرمزاً للدولة الروسية، و ذلك تعبيراً عن حنينه للإمبراطرية  الغابرة ودلالة على شوقه لإعادة نفوذ روسيا على الشرق و الغرب، و لكنه وضع عليه ثلاثة تيجانٍ كرمزٍ للسلطات الثلاث أعني التنفيذية و التشريعية و القضائية.

مع إستلام دميتري ميدفيديف لرئاسة الدولة عادت صورة النسر ذي الرأسين لتتكرر عند التكلم عن الحكومة الروسية، أما الرأسان هذه المرة فلم يعودا يرمزان إلى الدولة و الكنيسة أو إلى الشرق و الغرب، بل إلى رأسي السلطة الروسية أعني رئيس الجمهورية  دميتري ميدفيديف و رئيس مجلس الوزراء فلاديمير بوتين. إذ إن بوتين بعد أن حكم روسيا فترتين رئاسيتين (ثماني سنوات)، و لم يعد بإمكانه الحكم لفترة رئاسية ثالثة على التوالي عمل على إنجاح تلميذه و حليفه ميدفيدف في الإنتخابات الرئاسية. و لكنه في الوقت عينه  لكي لا يترك الحكم استحوذ على رئاسة حزب روسيا المتحدة الذي تأسس بمباركته في عام 2001، و الذي له ثلثي أصوات الدوما، و بذلك ضمن بقاءه في الحكم كرئيس لمجلس الوزراء. هكذا أصبحت روسيا محكومة برئيس جمهورية ليبرالي منفتح و ذي نزعة إصلاحية على النمط الغربي و كاريزما من نوع خاص. و لكن في الظل هناك رئيس مجلس وزراء محافظ، نظرته إلى روسيا شبه شوفينية، و هو يعتبر نفسه أباً لروسيا الحديثة، و أعوانه متغلغلين في كل مفاصل الدولة الروسية و كأنه إخطبوط بثمانية أذرع.

لم تكن العلاقة بين بوتين و ميدفيديف قائمة على خضوع أحدهما للآخر، فلا التلميذ خضع لمعلمه و لا المواطن الأول خضع لرئيس دولته، بل قامت العلاقة بين الإثنين على شبه لعبة شد حبل ودية يستمتع كلاهما بلعبها، فكل واحد يريد أن يسحب الحبل لجهته و لكن من غير أن يمزقا الحبل أو يُزعل أحدهما الآخر.

هكذا ظهر التباين بين الإثنين منذ البداية، فبينما كان بوتين يتهم الولايات المتحدة "بأنها أدخلت العالم من لُّجة نزاع إلى أخرى."، كان ميدفيديف يتصل بالرئيس أوباما ليهنأه على حصوله على جائزة نوبل مادحاً العلاقة بين روسيا و أمريكا القائمة على "مبادئ المساواة و الإحترام المتبادل لمنفعة السلم العالمي و الإستقرار". و أيضاً لم يتوان ميدفيديف في خطابه الرئاسي عن حال الإتحاد في شهر تشرين الثاني عام 2009 عن توجيه بعض النقض للحكومة التي يرأسها بوتين بقوله أنه على الحكومة أن تعترف بالخطأ بسبب الصعوبات الناجمة عن الأزمة الإقتصادية، و بدعوته إلى سياسة خارجية أقل رعونة.

و لكن تجسدت هذه الثنائية في السياسة الروسية، أكثر ما تجسدت في موقف روسيا من الربيع العربي، ففي الطرف الأول يقف ميدفيديف و مبعوثه للشرق الأوسط و شمال أفريقيا ميخائيل ميرغيلوف و في الطرف الثاني هناك بوتين و وزير الخارجية سرغي لافروف.

هكذا عندما صدر قرار من مجلس الأمن في شهر آذار الماضي يدين ليبيا و يفرض عليها حظراً جوياً، سارع بوتين إلى القول أن هذا القرار هو "دعوة لحملة صليبية من العصور الوسطى"، بينما رد عليه ميدفيديف بإمتعاض قائلاً أن هذا القول غير مقبول و يقود على حد تعبيره إلى "صراع حضارات"، ثم أكد ميدفيديف موقفه هذا عند إنضمامه إلى مجموعة الثمانية في دعوة القذافي للتنحي عن الحكم في ختام القمة التي اعقدت في مدينة دوفيل في فرنسا في شهر أيار. على صعيد مماثل بينما كان لافروف يدين إرسال فرنسا و بريطانيا لطائرات لتطبيق الحظر الجوي على ليبيا، كان ميرغيلوف يقول أن القذافي "فقد كل حقٍ أخلاقي بالبقاء في السلطة" بعد أن أطلق النار على شعبه و قصفه بالقنابل.
 
في الحقيقة نبع هذا الإختلاف في رؤية الفريقين للأزمة الليبية من إختلاف رؤيتهما للأخلاقيات السياسية  و لتباين نظرتهما للواقعية السياسية، فبينما يرى ميدفيدف أنه من دواعي الأخلاق أن يتنحى الرؤوساء عن الحكم عندما لا يستطيعون تأمين حاجات شعوبهم، وأنهم يفقدون شرعيتهم إذا مارسوا العنف ضد أبناء بلدهم، يرى بوتين أن الدول لها إستقلاليتها و لا يحق لأحد التدخل بشؤونها الداخلية. أما فيما يتعلق بمفهوميهما للواقعية السياسية فكلاهما يؤمن أن روسيا يجب ألا تنعزل عن العالم و ألا تدعم الحكام الديكتاتوريين حتى النهاية على حساب مصلحة روسيا.  و لكنهما يختلفان على تحديد الوقت المعقول الذي يمكن إعطاءه لهؤلاء الحكام قبل التخلي عنهم. فبينما يرى ميدفيديف أن الحكام الديكتاتوريين هم ساقطون حتماً إذا لم يتبعوا إصلاحات سريعة و فورية، و أن مصلحة روسيا هي في الوقوف بجانب الشعب لأنه هو الباقي، فإن بوتين و أعوانه ينظرون إلى أن الأنظمة و الدول يركضون وراء روسيا إذا لم تقف بجانبهم  في وقت الأزمات.

هكذا إستمرت هذه الثنائية في تعامل روسيا مع الثورة السورية. فبينما كان ميرغيلوف يقول لوفد المعارضة الذي زار موسكو في شهر حزيران الماضي برئاسة رضوان زيادة كلاماً مشجعاً "القادة تأتي و تذهب، السياسيون يأتون و يذهبون، الأنظمة الإجتماعية تأتي و تذهب و لكن ما يبقى صديقٌ وحيد موثوقٍ و دائم هو الشعب السوري"، كان لافروف يكرر إسطوانة النظام السوري قائلاً أن بين المتظاهرين "هناك الكثير من المشاغبين المسلحين" و تابع "أعتقد أنه ليس هناك من دولة تتحمل هذا التمرد الواضح"، ثم أردف أن قوى الأمن السورية تحاول تخليص المناطق السكنية التي يسيطر عليها عدد هائل من المسلحين. وبينما كان ميدفيديف يقول أنه إذا كان الأسد لا يستطيع الإصلاح فعليه التنحي، كان بوتين يحذر من التدخل في الأمور الداخلية لسوريا.

و السؤال الذي يطرح نفسه الآن لماذا إستطاع ميدفيديف و فريقه أن يجعلوا رؤيتهم تغلب في الملف الليبي، بينما يبدو أن بوتين و حاشيته يهيمنون على آلية إتخاذ القرار فيما يتعلق بالقضية السورية؟ للجواب على هذا السؤال يجب أن نبتدأ بتحليل الموقف الروسي من قرار مجلس الأمن 1973 . فروسيا لم توافق على ذلك القرار بل إمتنعت عن التصويت، و كان ذلك لسبيبين، أولهما الإنقسام في الموقف تجاه هذا القرار داخل الإدارة الروسية، و ثانيهما توجيه رسالة للغرب مفادها بينما لا تدعم روسيا نظام القذافي و هي توافق على حماية الشعب الليبي فإنها تسجل إعتراضاً على حيثيات القرار. أما الحيثية الأهم التي لم تستحبذها روسيا -و بالتخديد بوتين-  فكانت تضمن القرار على عبارة "العمل على تنفيذ القرار بكل الوسائل"- فهذ العبارة  تُبقي المجال مفتوحاً لكل الإحتمالات و من بينها العمل العسكري، أمرٌ لايفضله بوتين الذي يرغب في التحكم بكل شئ و لا يترك أي شئ لنوايا الآخرين التي لا يثق بها..

و لكن ما أثار غضب بوتين لم يكن القرار بحد ذاته، بل الطريقة التي تعامل بها ساركوزي مع هذا القرار. فساركوزي بعث بثلاث طائرات حربية لتقذف دبابات ليبية متوجهة إلى بنغازي ثلاث ساعات قبل بدء الحملة العسكرية الرسمية على ليبيا بدون أن يُخبر قادة دول الناتو، و ذلك ليضع بصمته على هذه الحملة أو بكلام آخر ليعلن نفسه نابليوناً جديداً. هذا هذا ما أثار حفيظة تركيا فأعلنت على لسان رئيسها أن بعض الدول تتصرف بإنتهازية و "تظهر سلوكاً أرعناً مما يثير شكوكاً من دوافع خفية"، و أغضب رئيس الوزراء الإيطالي في ذلك الحين سيلفيو برلسكوني -صديق بوتين الشخصي-  دافعاً إياه ليهدد بمنع الناتو من إستخدام القواعد العسكرية الموجودة في إيطاليا و متهماً ساركوزي بإستغلال الناتو. إذاً كيف لكل هذا ألا يثير حنق بوتين، فهل لقيصرٍ أن يقبل بنابليون جديد، و هو ضابط الإستخابرات السوفيتي السابق و الذي يطمح بإستعاد الإرث السوفيتي، فمثل هذا الفعل ما كان ليحدث أيام الحرب الباردة، و لو حدث لأشعل صفارات الإنذار و و أشغل خطوط الهاتف السرية  في كل أنحاء العالم.

إن هذا ما جعل بوتين و أعوانه يستعيدون سيطرتهم على آليات القرار في مجلس الأمن القومي الروسي ساحبين البساط من تحت ميدفيديف و فريقه. هكذ أصبحت و زارة الخارجية الروسية برئاسة لافروف و مساعده ميخائيل بوغدانوف و طبعاً من ورائهما بوتين  تهمين على الملف السوري، فإذاً ما هي المنهجية التي تتبعها وزارة الخارجية الروسية مع القضية السورية.

وفقاً لعقيدتها في الواقعية السياسية حاولت وزارة الخارجية الروسية البوتينية الهوى أن تعطي حليفها و قتاً معقولاً -بحسب مفهومها لما هو معقول- لهذا حاولت أن تحميه بقدر ما إستطاعت من الضغط الغربي. و لكنها في بحثها عن حُجةٍ تبرر بها أمام المجتمع الدولي دفاعها هذا عن نظام الأسد وجدت ضالتها في حادثة جسر الشغور حيث قتل أهل الجسر 120  جندياً و في الحوادث التي تلت في حمص و التي تورط فيها مدنيون مسلحون. إذ من خلالها بدأت تحتج أن حوادث سوريا ليست ثورة سلمية، بل هي عصيان مسلح، و إبتداء لافروف يروج لحجة العصابات المسلحة و كأنه أحد شبيحة النظام.

و لكن بالرغم من ذلك فإننا يجب أن ندرك أن روسيا لن تدعم الأسد حتى النهاية، فبوتين لا يحب الأغبياء و لا الخاسرين، و الآن و خصوصاً بعد إدانة جامعة الدول العربية له فإن بشار الأسد يبدو غبياً و خاسراً. ثمّ إن روسيا كانت تعوّل على الحوار بين نظام الأسد و المعارضة لإيجاد مخرج للأزمة السورية الحالية من دون اللجوء إلى تدخلٍ خارجي، و هي وجدت في المبادرة العربية ضالتها، و لكن مع فشل المبادرة و وضع جامعة الدول العربية مسؤولية هذا الفشل على النظام، فإن أي فكرة لحوارٍ مثل هذا قد زالت نهائياً. إذاً لم يبق أمام روسيا و العالم  سوى إقناع الأسد بالتخلي عن الحكم لمنع حدوث أي حرب أهلية و لتجنب الحاجة لأي تدخل خارجي. هذا هو عينه جوهر الرسالة التي يجب أن يوجهها للإدارة الروسية -و بالتحديد للافروف وزير الخارجية الروسية- وفد المجلس الوطني السوري الذي يزور موسكو في الآن.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق