الخميس، 8 ديسمبر، 2011

عدم النضج النفسي كأصلٍ للشر -دراسة سريرية لحالة بشار الأسد



في معرض ردي على المبادرة الوطنية للتغيير السلمي في سوريا -و التي ارتكزت على الإعتقاد أن بشار سيستقيل حالاً بعد بدأ المظاهرات-  بيّنت للموقعين عليها أن بشار لن يستقيل بسهولة، و أن الحرب مع النظام ستدوم أشهراً عدة. إعتمدت في حكمي هذا على معرفتي بشخصية بشار التي تتميز بشكل أساسي بعدم نضجها. و السؤال الذي ربما سيطرحه الكثيرون هو كيف يمكن أن يقود عدم النضج النفسي إنساناً ليفقد ضميره، فيقترف جرائماً بشعة مدمراً نفسه و آخرين كثر من حوله.

واحدة من أهم خصائص الناس الناضجين هي أنهم يستطيعون إدراك الحقائق الإجتماعية المعقدة و التعامل معها. هذا التعقيد ينجم بشكل رئيس عن عمق النفس الإنسانية و تعقد العلاقات الإجتماعية. هكذا فإن الأشخاص الناضجين يستطيعون إدراك و تحقيق حاجاتهم النفسية الحقيقية و التي هي ضرورية لهم لينموا ويزدهروا، و أيضاً يمكنهم فهم و تأمين حاجات الآخرين الحقة و التي هي مهمة لتحقيق ذواتهم.

بالإضافة لذلك فإن الأشخاص الناضجين يتميزون بفهم جيد للعلاقات الإنسانية، لهذا فهم يستطيعون قيادة حوادث الحياة إلى حصيلتها الفضلى لهم و للأشخاص الذين حولهم. هكذا يتعلمون الحزم و يكتسبون الثقة بالنفس. و الحال أننا كأناس نكتسب هذه الملكات في مختبر الحياة إبتداءً من اليوم الأول فيها، لهذا إذا لم يتوفر لنا أن نعيش حياة مفعمة الحيوية و النشاط و غنية بالخبرات التي نتعلم منها الكثير فإننا لا نستطيع إكتساب هذه القدرات. و الحق أن هذه الملكات تشكل المكونات الأساسية للضمير عندنا، لهذا فإنها تمكننا تفريق الأعمال الخيرة من الأعمال الشريرة أو بكلامات أخرى تمكننا إدراك الخير و الشر. لهذا يمكنني القول أن الناس الناضجين نفسياً يتمتعون بضمير صاحٍ، بينما الناس غير الناضجين يفتقدون لهذه الملكة الثمينة.

عرفت بشار أثناء دراستي للطب، في ذلك الحين بدا لطيفاً و متواضعاً، كما أنه بدا سعيداً أو بالأحرى كان معتاداً على المزاح طول الوقت. هذه العريكة منحت الناس من حوله إحساساً بالراحة، و ذلك لأنهم كانوا في حضرة ابن الرئيس، و مع ذلك لم يكن عليهم أن يكونوا رسميين. و لكنني الآن عندما أعيد النظر في سلوكه هذا بعقل متسائل، فإنه يمكنني رؤية العلامات الأولى لعدم نضجه. في الحقيقة كانت علاقاته بالناس من حوله سطحية، كان محاطاً بكثير من الأشخاص، ولكن لم يكن أي منهم صديقاً حقيقياً، بالرغم من أنه كان بحاجة لعلاقات حقيقية ليكتشف من خلالها نفسه و العالم من حوله، أو بتعبير آخر لتنمو شخصيته و تنضج. بالإضافة لهذا فإن مزاحه كان في الواقع شئ من الهزل السطحي أكثر منه مزاحاً ينبع من مواقف حياتية حقيقية أو يعكس ذكاء و فطنة. لهذا كله فإنني أقول بلا تردد أن بشار كان منفصلاً عن حقيقة ذاته و العالم من حوله، و كانت شخصيته الدمثة المرحة مجرد هروب من العالم الحقيقي.

لقد صغت تحليلي لشخصية بشار من الأفكار التي بنيتها عنه من خلال دراستي لمسيرة رئاسته، و أيضاً عبر ربطها بذكرياتي القديمة عنه. و حيث أنني تكلمت آنفاً على نحوٍ كافٍ عن هذه الذكريات القديمة دعونني الآن أتحدث عن رئاسته. إبتداء بشار رئاسته بخطاب بداية العهد الشهير، و في ذلك الخطاب وعد بالكثير من الإصلاحات، و لكنه أتى بعد عشر سنوات ليقول أنه لم يكن قادراً على إنجاز أي منها بسبب الصعوبات القاهرة التي واجهها في أثناء حكمه، و لكن إذا مانظرنا جيداً فإننا نجد أن هذا التعليل عارٍ عن الصحة، إذ إن جذور حكمه المريض إبتدأت في السنوات الخمس الأولى من رئاسته و التي تمتع فيها بالكثير من التشجيع من المجتمع الدولي و الدعم من الشعب السوري. و الحق أنه لم يكن قادراً على القيام بهذه الإصلاحات بسبب عطب شخصيته المفعمة بالتردد و الممتلئة بالإحساس بالعجز.

شئ آخر حدث في وقت مبكر من رئاسة بشار هو ربيع دمشق، و لكن عندما سمح بشار للمنتديات الفكرية بالبدء يبدو أنه  لم يقدّر على نحو صائب حاجة الشعب لحرية التعبير والتبادل الفكري، و لم يستوعب تأثير عقود عدة من قمع حرية التعبير، كما أنه لم يدرك أنه والناس الذين من حوله يفتقرون إلى الفطنة الفكرية التي تسمح لهم بمواكبة الأفكار التي قد تنشأ عن هذه المحافل، هكذا إعتقد انه كمثل رجل كبير يقدّم الحلوى إلى أطفالٍ صغارٍ، وبالتالي يجب أن يكونوا سعداء وشاكرين. و لكن عندما إنتشرت هذه المنتديات مثل الفطر و لم يستطع "كلاب النظام المسعورة" مواكبة الأفكار الناشئة عن هذه المحافل، أغلق بشار هذه المنتديات على نحو مفاجئ و وضع بعض المشاركين فيها في السجن، عندئذ  لم يخلق فقط خيبة أمل بين المثقفين السوريين ولكن أيضا ألماً و مرارةً.

خطأ آخر فادح إقترفه بشار في وقت مبكر من رئاسته و كان الخلط بين أمور الدولة و أمور العائلة، و مثال كبير الدلالة على هذا الخلط كان منحه رخصة شركة الهاتف المحمول حصرياً لابن خاله (رامي مخلوف) مثيراً بهذا حفيظة طبقة رجال الأعمال الدمشقية التقليدية،  و ذلك بكسره الاتفاق المضمر الذي عقده حافظ الأسد معهم، و الذي كان يضمن بأن تتخلى هذه الطبقة عن أي مطالبة السلطة في مقابل الحصول على الأمن وحرية ممارسة الأعمال التجارية. إنتهى كل هذا بوضع رياض سيف في السجن بتهم كاذبة، و هكذا أثار الألم والمرارة بين أفراد هذه الطبقة أيضاً.

و الحال فإن جميع الأمثلة المذكورة أعلاه تعكس عدم قدرة بشار الأسد على فهم الحقائق الإجتماعية المعقدة والتعامل معها. غير أن المثال الذي الأكثر إثارة للصدمة و الأكثر فظاعة من بين مشاعره السلبية و إنقطاعه الكلي عن الواقع كان أول خطاب له بعد بدء الانتفاضة. خلال هذا الخطاب كان بشار مبتسما طوال الوقت، بينما الناس تموت في الشوارع، كانت هذه الابتسامة مؤشراً على أن  بشار فقد كل شكل من أشكال الضمير. بالإضافة لذلك ذكرتني تلك الإبتسامة بابتسامته الساذجة غير الناضجة عندما كان يافعاً، و كيف تحولت إلى ابتسامة بلهاء و شريرة عندما تقدم بالسن، مما أوحى لي أن عدمَ النضج يولّد الشرَ.

و الحق أن شخصية بشار المذكورة أعلاه تبيّن كيف أن الظروف المعقدة كرئاسة الجمهورية مثلاً يمكن ان تحطم التوازن النفسي للأناس الساذجين الغير ناضجين، فيتحولون من أناس تبدو عليهم سيمة اللطافة و التواضع إلى حكام ظالمين بلا رحمة أو إحساس فيرتكبون جرائم فظيعة مدّمرين حيوات أشخاصٍ كثيرين من حولهم. بالإضافة لذلك فإن هذا يجعلنا نتساءل عن حكمة الأب -حافظ الأسد- الذي بمتمنيه أن يكون خالداً -و بالرغم من النصائح التي قدمت له لعدم القيام بذلك- ورّثَ العرش لابنه الغير مؤهل صاباً عليه اللعنة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق