الاثنين، 10 سبتمبر، 2012

كوفي عنان، إنتبه!

بعد أن نشرت مقالة حللت فيها شخصية بشار على صفحات إحدى المجلات الإلكترونية، بعثت لي سيدة أعجمية مهتمة بالقضية السورية بالسؤال التالي: "الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون وصف بشار الأسد بأنه كذاب، فلماذا يكذب بشار؟" . فبعثت لها جواباً قلت فيه: "في الحقيقة إن بشار يكذب كثيراً هذه الأيام، و لكن كذبه المنهجي الذي نراه الآن ليس قديماً جداً. على الأرجح، إنه إبتدأ يكذب بشكل متواتر عندما أصبح رئيساً، غير أن كذبه إستفحل كثيراً بعد بدأ الثورة. بشار يكذب لأن هم الرئاسة هو فوق طاقته، هو لا يستطيع تحمل مسؤولياتها. إنه ضعيف سطحي متردد متململ، كما أنه غير قادر على فهم الناس و ظروف الحياة من حوله، و هو لا يعرف ضرورات الأمور و متطلباتها. هكذا إذا جاءه أحد ما بطلب أو بفكرة، فهو يعبر عن فرحه و إستحسانه لهذا الطلب أو تلك الفكرة، و هو غالباً ما يكون صادق النوايا في تلك اللحظة، و لكن عندما يأتي أوان الفعل هو غالباً لا يفعل، و ذلك لأنه مشتت الفكر، و إن إبتدأ بالفعل فإنه غالباً يتوقف عنه في بدايته لأنه لا يقدر صعوبته حقاً. لهذا بشار يعد و لا يفي، و الأنكى من هذا أنه عندما يحاول إخفاء إخفاقه المشين الأول، فإنه يلجأ للتباله و المخاتلة و اللف و الدوران. هكذا يظهر للآخرين على أنه كذاب، لا بل هو أشدهم و أخطرهم كذباً.

يزور كوفي عنان يوم غد بلدنا الحبيب سوريا، و ذلك في إطار مساعيه لحل الأزمة السورية. و الحال، إنه في ظل الإحتدام الميداني و القحط السياسي على الساحة السورية، جاء تعيين كوفي عنان كمبعوث مشترك للأمم المتحدة و الجامعة العربية خاصٍ بالقضية السورية كبصيص ضوء في دلجة الليل. فقلة قليلة من الديبلوماسيين في العالم لهم خبرة كوفي عنان. إذ إنه تقلّد مناصب عدة في الأمم المتحدة من عام 1987 إلى وقت تقاعده عام 2006، و كان من أهمها منصب الأمين العام بين عامي 1996-2006. خلال خدمته في الأمم المتحدة عُرف عنه جلده و ثباته و أيضاٌ أناقته في التصرف و هدوء صوته، و لهذه الصفات أختير كأمين عام خلفاً لبطرس بطرس غالي. خلال توليه لمنصب الأمين حقق كثيراً من الإنجازات إبتداءً من إصلاحه لأجهزة الأمم المتحدة و إنتهاء بإقامة الصندوق العالمي للإيدز و الصحة الذي من أجله حصل على جائزة نوبل. و لكن أيضاً من أهم إنجازاته -و التي قد يكون لها أثرها على كيفية تناوله للقضية السورية- مساهمته بشكل فعال في تطوير رؤية الأمم المتحدة لمسؤولية المجتمع الدولي عن حماية المدنيين عندما تفشل حكوماتهم في القيام بهذا.

أمر آخر يجعل من كوفي عنان شخصاً ذو أفضلية في إستلامه الملف السوري كان موقفه من الغزو الأمريكي للعراق. ففي أثناء التحضير للغزو العراق عام 2003 طالب كوفي عنان زعماء بريطانيا و الولايات المتحدة ألا يذهبوا للحرب دون موافقة الأمم المتحدة. و عندما سئل في عام 2004 عن شرعية الغزو الأمريكي للعراق، أجاب بأنه لا يتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة. و في آخر خطاب له كأمين عام ألقاه في مكتبة ترومان في ولاية ميزوري عام 2006، ناشد عنان الولايات المتحدة بالتخلي عن الإنفرادية في سياستها و العودة إلى سياسة التعددية و الإجماع التي -على حد قوله- طالما دافع عنهما الرئيس ترومان. كل هذا يجعله شخصية مستساغة من قبل الزعماء الروس، و بالأخص يجعلهم يطمئنون أنه ليس آتٍ ليمرر أجندة أمريكية خفية.

و لكن ما يؤخذ على كوفي عنان هو سذاجته، فهو يعتقد أن كل الناس يستجيبون للكلام الهادئ و الإقناع، كما أنه يصدق كل ما يقال إليه. هكذا فعل في عام 1998 عندما إعتقد أن صدام حسين كان صادقاً بوعده إياه أنه سيعيد المفتشين، و لكن الذي فعله صدام حسين أنه أعاد المفتشين لعدة أسابيع ثم طردهم ثانية. و هكذا فعل عندما وثق بقول حسن البشير عام 2004 أنه لن يبعث الجنجويد إلى دارفور ثانية، و إذ بالبشير يمتنع لوهلة ثم يرسلهم ثانية. لا أعرف إذا كانت سوء حظ كوفي عنان صفة لازمة لتعاملاته فقط مع الحكام العرب ، إذ إن وساطته في كينيا عام 2008 نجحت على أتم وجه.

لذلك أيها السيد الجليل أنصحك بأن تتذكر وصف لاحقكك -بان كي مون- لبشار بأنه كذاب. و سوف أضيف عليه و أقول أنه نصاب و محتال. تذكر يا أيها الموقر مقابلته مع باربرا والترز، فعندما سألته عن المطرب الشهير الذي أُقتلعت حنجرته، أجاب أنه لم يسمع عنه. و الحال أن بشار كان بعرف نفسه لا يكذب، إذ إن إبراهيم القاشوش لم يكن مطرباً، بل كان منشداً في المظاهرات، و هو لم يكن مشهوراً، إذ إن أغلب المنحبكجية لم يسمعوا عنه. كذلك عندما سألته عن الأطفال الذين أُقتلعت أظافرهم، أنكر وجودهم. و هو بمنظور نفسه لم يكذب، لأن من تدعوهم باربرا والترز أطفالاً لم يكونوا أطفالاً بل مراهقون. لذلك فإني أنصحك أيها الموقر إذا طلبت من بشار أن يوقف النار، فعليك أن تحدد ماذا تعني له بكلمة إيقاف، هل هو لساعة أم لساعتين أم لأكثر؟ و أن توضح ماذا تعني بكلمة نار، فهل تعني بها طلقات القناصات أم الأر بي جي أم مدافع الهاون أم الدبابات أم الصواريخ؟ و إذا طلبت منه أن يسمح بإيصال المساعدات إلى المناطق المنكوبة، فأرجوك أن تقول له عن مصادرها و تواتر و أوقات مجيئها، فبشار إنسان دقيق في كل شئ، و إذا لم تحدد كل هذه الأمور، فهو لن يعرف أيها تقصد. و أيضاً، أنصحك أن تأخذ معك شخصاً ما ليكتب كل ما تتفقون عليه، لأن بشار لا ينظر بعين الجد للكلمات المحكية، إذ أنه يعتبرها مجرد دردشة. و لكن أهم شئ على الإطلاق، لا تنسى بأن تقول له أنه إفتقد شرعيته و عليه الرحيل، و أرجوك أن تشرح له ماذا تعني بكلمة رحيل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق