الاثنين، 24 سبتمبر، 2012

هل حسم المسيحيون أمرهم مع النظام؟!

بعد أن تشابكت الأسبوع الفائت في حي الجديدة في حلب مجموعة من الجيش الحر مع مجموعةٍ من اللجان الشعبية المكونة من عناصر يدينون بالديانة المسيحية، كتب لي صحفي من جريدة الشرق الأوسط يسألني: “هل حسم المسيحيون أمرهم مع النظام؟”، فكان جوابي على النحو التالي:

المسيحيون ليسوا كتلة سياسية واحدة، و لم يكونوا عبر تاريخهم كتلة سياسية واحدة، على الأقل منذ سقوط القسطنطينية في الشرق، و بروز عصر التنوير في الغرب .لهذا إن القول أن المسيحيين حسموا أمرهم مع النظام منافي للواقع. فالمسيحيون اتخذوا مواقف متباينة من الحراك الثوري منذ البداية -كما فعلت بقية الطوائف- فبينما كانت أغلبية المسيحيين غير راضية على النظام (بحسب تقديري أكثر من 90% من المسيحيين(،فإن موقف هؤلاء السلبي من النظام، لم ينعكس إلى موقف إيجابي من الثورة. إذ كان منذ البدء هناك مسيحيون، و مازالوا، مع الثورة و ضد النظام قلباً و قالباً و أغلب هؤلاء من المثقفين (بحسب تقديري 30% من المسيحيين). و مسيحيون آخرون كانوا يميلون للثورة و لكن يبحثون عن بديل في المعارضة قادر على الحكم ليُظهروا تأييداً واضحاً لها  (بحسب تقدير 35% من المسيحيين).  و فئة ثالثة ممن هم ليسوا مع النظام و لكنهم ليسوا مع الثورة لأنهم كانوا يتوجسون من الاسلام السياسي (بحسب تقديري 25% من المسيحيين) و أغلب هؤلاء يقطنون القرى أو من مسيحيي المدن و لكن ينتمون لطوائف  تشكل أقلية بين المسيحيين السوريين كالأرمن و الموارنة، إلا أن هذه الفئة الأخيرة لم تعادي الثورة إلا مؤخراً. أما العشرة بالمئة الباقية فهي تؤيد النظام لأن مصالحها تتقاطع معه.

منذ البداية عمل النظام على اظهار الثورة على أنها طائفية، و أن الذين يقومون بها سلفيون و مسلحون، مع أن الثورة لم  تكن طائفية، و لم يقم بها لا المسلحون و لا السلفيون. و لكن النظام نجح في تحويل جزء من الثورة إلى طائفي، و جذب السلفيين لها، و صار من أبطالها مسلحون، و للأسف تم كل ذلك بمساعدة بعض أطراف المعارضة. و كان هدفه من هذا التحويل  تبرير حله الأمني، و تقليب الأقليات على الثورة، و أيضاً تقليب الرأي العام العالمي عليها.

بالاضافة لهذا استخدم النظام منذ البداية اسلوب التجييش الطائفي. ففي البداية عندما انتفضت بانياس و جبلة، سلح النظام العلويين و المسيحيين في الساحل محذراً إياهم من العصابات الاسلامية المسلحة، مع أنه لم يكن هناك عصابات مسلحة في ذلك الحين ، ثم عندما خف الحراك في هاتين المدينتين، سحب الأسلحة من المسيحيين فقط. في حمص سلح النظام العلويين في وضح النهار، و على مرأى باقي السكان الذين أغلبهم من السُنة. أما في دمشق و في أوائل الحراك فكان يسلح تجار المصنوعات الشرقيين، و أغلبهم من المسيحيين،  بالعصي، و يقول لهم أن العصابات السلفية آتية ،مع أنه لم يكن هناك لا عصابات و لا سلفيون في دمشق في ذلك الوقت. هكذا استطاع النظام زرع أو تضخيم الريبة و الشك في قلوب أبناء الطوائف المتفرقة.

و لكن مع ازدياد تسلح الثورة، و اجتياح المد السلفي لجزء منها. صدق جزء من الأقليات، الشكوك التي زرعها فيهم النظام، فمثلاً  مجموعة المسيحيين التي لم تكن مع النظام و لا مع الثورة و كانت تتوجس الإسلام السياسي ،و التي قدرتها ب 25% من المسيحيين، أصبحت مع النظام و ضد الثورة. و الفئة الأخرى التي كانت تميل إلى الثورة، و التي قدرتها ب 35% من المسيحيين،  أصبحت تعبر عن استيائها من تسلح الثورة، و ذلك دون أن تصبح مؤيدة للنظام.

و الحال أن النظام عمد إلى دفع الثورة للتسلح ليس فقط لينزع عنها التأييد المحلي و العالمي، بل أيضاً ليستطيع اخمادها. فهو لا يعرف كيف يتعامل مع التظاهرات السلمية، و لكنه ظن أنه يستطيع اخماد الثورة إذا حولها إلى تمرد مسلح، كما أخمد تمرد حماة عام 1982. و لكن ما أخطأ في حسابه النظام أن التمرد المسلح هذه المرة واسع النطاق و له حاضنة شعبية، أي هو ثورة شعبية فيها وجه مسلح. هكذا لم يقدر النظام على قمع “التمرد المسلح”، و تحولت الحرب إلى حرب استنزاف تستهلك النظام و جيشه، و لكنها أيضاً تستنفذ الشعب و ترعبه. عندها عمد النظام إلى تشكيل اللجان الشعبية، و من الطبيعي أن تكون هذه اللجان من المسيحيين في المناطق ذات الغالبية المسيحية. و وجد النظام ضالته في الشباب الذين ينتمون للفئة التي قدرتها ب 25% من المسيحيين، و التي لم تكن مع النظام و لا مع الثورة و كانت تتوجس الإسلام السياسي، و لكنها أصبحت لاحقاً مع النظام و ضد الثورة، و أغلب هؤلاء ذوي مستويات معيشية ليست بعالية.

إذاً هل نستطيع أن نقول أن المسيحيين أصبحوا مع النظام، و الجواب “لا”،  إنما النظام نجح بدفع جزء قليل من المسيحيين ليخافوا من الثورة، و يعادونها، و سلحهم بحجة الدفاع عن أنفسهم من خطر بعضه أصبح حقيقياً، و كثير منه ما مازال وهماً.

هناك تعليق واحد:

  1. لماذا تعطى عملية تسلح المسيحيين هكذا بعد , ألم يتشكل الجيش الحر بداعي حماية المدنيين وأنهم تسلحوا ليحموا أهلهم وأحيائهم.؟؟ أليس الأولى بأبناء الأحياءالمسيحية أن يحموا بيوتهم وأهاليهم مثل غيرهم, أليس هذا حق معلن ومشرعن لدى الآخرين ؟؟ ثم ما الضرر الذي يلحقه هؤلاء بالثورةأو بالثوار , في حين أن مهمتهم هي ذاتها وتؤدي نفس الهدف ,؟ وهم غير مكلفون ولا يمارسون أية أعمال هجومية ضد أحد , الا اذا كان هذا يعطل استراتيجية العرعور المعهودة في حمص , بجعل أحياء المسيحيين ساحة حرب , فيضطرون للرحيل ويستولى على أملاكهم , ويتم احضار سكان من مناطق أخرى وهي عملية تفريغ معروفة وتغيير ديموغرافي , وفي حال هدمت هذه الأحياء فسينسحبون تكتيكيا , ولن يخسروا شيئا فهذه ليست أملاكهم .

    ردحذف