الاثنين، 10 سبتمبر، 2012

مقاربة تاريخية لمشاعر الإضطهاد السريانية




كتب صديقي الأستاذ سليمان يوسف على إحدى صفحات التواصل الإجتماعي يقول: " من طبائع وسلوكيات الحكم الاستعماري سعيه الدائم الى محو ثقافة وحضارة وطمس تاريخ سكان البلد الواقع تحت الاحتلال (اصحاب الأرض). ليظهر المحتل وكأنه هو أول من سكن هذه الأرض وصاحبها. حقيقة هذا ما فعله العرب المسلمين مع السكان الأوائل لسوريا وبلاد الشام والعراق-السريان الآشوريين والآراميين- منذ غزوهم وحكمهم لها. فمن يقرأ كتب ومناهج التاريخ التي تعلم في المدارس السورية، حيث هناك تغييب وطمس تام للتاريخ والثقافة والحضارة السريانية (الآشورية)، تتكون لديه فكرة بأن تاريخ سوريا والمنطقة لم يبدأ إلا مع العرب المسلمين، في حين أن هم آخر من جاء الى المنطقة.من هنا أقول:بأن الحكم العربي الاسلامي لسوريا ليس بحكم وطني سوري وإنما هو "حكم استعماري" وسوريا هي اشبه بـ"مستعمرة عربية".

و لكنني لما وجدت في هذا القول تجنٍ على العرب المسلمين، أخذت على عاتقي مهمة الرد عليه، فكتبت:

صديقي العزيز:

التاريخ في حركة دائمة، و هناك حضارات تزدهر و أخرى تذبل. أما التي تزدهر، فتفعل ذلك عبر قوتها الثقافية و الإقتصادية فتفرض نفسها على سيرورة التاريخ، و يتبعها الآخرون و يتقلدون بها. و أما التي تذبل، فإنها تضمحل إما لأنها لم تُجارِ عصرها بعلمه و ثقافته أو لأنها سُحقت تحت قوة السلاح بفعل القمع و الإضطهاد. هكذا يفرض الأقوياء مآلات التاريخ بهذه القوة أو تلك.

إستوطن الأراميون الداخل السوري بعد هجرة طبيعية من الجنوب إلى الشمال، فإستقروا هناك من القرن الرابع عشر قبل الميلاد، و بنوا حضارة هامة كان لها تأثير كبير على محيطها، هكذا أصبحت اللغة و الثقافة الآراميتين هي الطاغية في الهلال الخصيب لأكثر من ألفية خلت، فأضحت اللغة التي تتكلم بها شعوب ذات تاريخ عريق كالشعب البابلي-الأشوري و الشعب الأكادي و طبعاً بالإضافة للشعب الآرامي، و إستمر هذا النفوذ حتى مجئ الهلينيون في القرن الرابع قبل الميلاد.

عندما إحتل الهلينيون سوريا (عام 334 ق.م) فرضوا هيمنتهم الثقافية على حساب الثقافة الآرامية، فأصبحت اليونانية شائعة في المدن كلغة للعلم و الإقتصاد، بينما بقيت الآرامية -أو السريانية كما أطلق عليها الهلينيون أنفسهم- شائعة في الأرياف. ثم جاء الرومان (عام 64 ق.م) فطوعوا سوريا بالسيف، و عمموا اللغة و الثقافة اليونانيتين، و إعتبروا كل من هو غير روماني مواطناً من الدرجة الثانية. في بداية الحكم الروماني لسوريا، إضطهد الرومانُ المسيحيين -و من بينهم السريان- فذبحوا منهم الكثيرين، إلى أن جعل قسطنطين المسيحية ديانة قانونية عام 313 م، و من ثمّ أصبحت الدين الرسمي للدولة الرومانية عام 380 م. و لكن في عام 451 م و على إثر مجمع خلقدونية، إعتبر الرومانُ المسيحيون المسيحيين السريانَ هراطقة فأضطهدوهم و قتلوا الكثيرون منهم إلى أن جاء العرب.

إستولى العرب على العراق و سوريا عام 636م بناء على رغبة نبيهم لتحرير العرب المسيحيين -المناذرة و الغساسنة- من حكمي الفرس و الروم على التوالي، و لهذا أسموه فتحاً. و نبعت رغبة التحرير هذه من علاقات النبي الجيدة التي أقامها مع العرب المسيحيين هؤلاء أثناء عمله في التجارة، و يجب ألا ننسى في هذا المجال تأثير الراهب بحيرة عليه.
عندما فتح العرب سوريا و العراق، عاملوا سكان هذه البلدان بشكل حسن، و مع أن المعاملة إختلفت بحسب الخليفة، لكنها ظلت نسبياً جيدة في كل الأحوال. كان للمسيحيين بشكل عام مكانة جيدة أثناء الحكمين الأموي و العباسي. هكذا كان وزراء الخزانة و الديوان أثناء الحكم الأموي دائماً من المسيحيين- كمنصور بن سرجون المعروف بالقديس يوحنا الدمشقي في الكنيسة الرومية- فشكل المسيحيون عماد النهضة الإدارية للدولة الأموي. و عندما أراد العباسيون إطلاق النهضة العلمية في دولتهم لجؤوا إلى المسيحيين السريان لترجمة التراث اليوناني، و كان من بين هؤلاء المترجمين ثابت بن قرة و حنين بن اسحق، و كان المأمون قد عين هذا الأخير مسؤولاً عن بيت الحكمة و دار الترجمة، و كان يدفع له ذهباَ بوزن الكتب التي يترجم.

خلال العهدين الأموي و العباسي لم يُجبر المسيحيون على ترك دينهم، هكذا بقيت نسبة المسيحيين في سوريا أكثر من 40% حتى منتصف القرن التاسع عشر، أي إلى حين المجازر الشهيرة التي إقترفها العثمانيون بحقهم. كما لم يجبر الأمويون و العباسيون السكان الغير ناطقين بالعربية على التخلي عن لغاتهم الأصلية -اليونانية و الأرامية- و لكن تراجعت هذه اللغات تدريجياً نتيجة إزدياد النفوذ الثقافي و الإقتصادي العربي.

لم يتعرض المسيحيون من كل الطوائف في سوريا إلى أي إضطهاد أو تمييز ديني واضح إلى أن جاء المماليك و من بعدهم العثمانيين. و الحال، إن هذا الإضطهاد كان عاماً على كل السوريين و لكن بالأخص على المجموعات غير السنية كالعلويين و الدوروز و الإسماعليين و اليهود و المسيحيين. هكذا فالإضطهاد و التمييز التي عانت منه الأقليات في هاتين الفترتين لم يكن دينياً أو طائفياً فقط بل كان أولاً عرقياً سياسياً، إذ كان المماليك و العثمانيين من جذور تركية، و ليثبتوا أقدامهم في هذه البلاد و يسيطروا عليها لجؤوا إلى نظام الإقطاع، فوهبوا الأرض لقلة قليلة غالبيتها سنية المعتقد، و بقيت الأكثرية تعمل كالعبيد، هكذا تعرض العرب من أهل السنة للإضطهاد، و لكن كان إضطهاد الأقليات أكثر بكثير، هذا ما أدى بالأقليات للتمرد بين الفينة و الأخرى و تعرضهم بالنتيجة للمذابح.

و أخيراً جاءت الحركات القومية العروبية ذات النزعات الشوفينية، و كانت بمجملها علمانية غير إسلامية. أما من حيث ممارستها السياسية فقد كانت بشكل عام غير صادقة في شعاراتها العروبية، كما أنها عانت من عقدة الإرتياب و الخوف من الآخر. هكذا نظرت بعين الريبة إلى كل ما هو غير عربي، و من بينها الأقليات غير العربية التي سكنت هذه الأرض منذ قديم الزمن، فحاولت قمع هذه الأقليات و إمحاء لغتها و ثقافتها و تراثها، و تعريبها إذا أمكن ، و كان هذا الفصل الأخير من قمع الأقليات العرقية في سوريا.

أنا أوافق صديقي سليمان أن الثقافة الآرامية (السريانية) إندثرت في موطنها الأصلي سوريا، و لكن لعبت عوامل عدة في إندثارها، بعضها كان تطوراً تاريخياً طبيعياً، و بعضها كان إمحاء مقصود، و لكن لم يكن العرب المسلمون الفاعل الأهم لهذا الإمحاء، بل لعب الرومان و من بعدهم المماليك و العثمانيين -و أيضاً الحركات القومية العروبية- الدور الأكبر في هذا القضاء. القضية المهمة الآن دعونا نفكر كيف سنحفظ الباقي من التراث السرياني، و نعيد له مكانته التي يستحق. فهل نريد لهذا الأمر ضمانات دستورية؟ هل نحتاج لمؤسسات مجتمع مدني تعمل إنماء وعي المجتمع بأهمية هذا التراث؟ هل يلزمنا مراكز دراسات مختصة في هذا المجال؟ و أخيراً ما هو دور الآشوريين أنفسهم في هذا الإحياء؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق