الاثنين، 10 سبتمبر، 2012

عجيبة هي المعارضة السورية




عجيبة هي المعارضة السورية في أحوالها، فقصصها لا تشبه إلا قصص الميلودراما في المسلسلات المصرية. فكلما ظننا أن الدم المسفوك على تراب الوطن سيجعلها تنضج و تكبر، إذ تفاجئنا بالعثرات المرة، دافعة إيانا إلى الإحباط و الحزن و الألم و الغثيان. و لم يكن مؤتمر المعارضة في إسطنبول البارحة إلا حلقة من حلقات هذا المسلسل المضني، إذ إن هذا المؤتمر فشل فشلاً ذريعاً في تحقيق هدفه المرجو -أو بالأحرى المعلن- و الذي هو "توحيد رؤية المعارضة". و الحال، إن هذا الفشل كان مكتوباً عليه من قبل بدء بالمؤتمر و ذلك للأسباب التالية:

أولاً، لم يكن هناك تحضيراً جيداً للمؤتمر. لنجاح أي مؤتمر يجب أن يكون هناك مشاورات مطولة بين الفصائل المشتركة قبل المجئ إلى المؤتمر للتوافق على جدول الأعمال و البيان النهائي. من الواضح أن هذا لم يتم، فالجهة التي بادرت إليه -و هي المجلس الوطني- جهزت جدول الأعمال و البيان الختامي و لم يكن على الحاضرين إلا الإلتزام و التوقيع. و هي لم تتعب نفسها لا بمشاورات و لا بإتصالات، و كأن المدعويين ليسوا شركاء في بناء الوطن، بل مجرد حاشية و مصفقين للزعيم البطل الأوحد.

ثانياً، بينما إعتبر المجلس الوطني نفسه راعياً للمؤتمر، تم توجيه الدعوات إلى أطياف المعارضة الأخرة ليس كفصائل بل كأشخاص، و هذا بحد ذاته نكران -أو بالحد الأدنى تجاهل- لوجود هذه الفصائل. مما يعني أن المجلس الوطني كرّس نفسه حزباً قائداً أوحد جديد، مناقضاً بذلك البيان الختامي للمؤتمر عينه الذي أقر بالتعددية، و هذا مثال فاضح على الفصام بين المبادئ المعلنة و السياسات المطبقة. و الحال، إن توحيد المعارضة المتوخى لم يكن إلا إعلان البيعة للحزب الواحد القائد الجديد و ذلك عبر تمييع فصائل المعارضة الأخرى و تذويبها تدريجياً. و هذا ما يدعوننا إلى الظن أن إعلان البيعة هذا و تذويب الفصائل تلك كانا الهدف الحقيقي -المضمر- من المؤتمر.

ثالثاً، إن الدعوات لحضور المؤتمر جاءت من قبل تركيا و قطر، و لا أعلم ما علاقة تركيا و قطر بالأمور الداخلية للمعارضة السورية! هل أصبحتا الوليتين على شؤون هذه المعارضة و بالتالي الوليتين على شؤون سوريا القادمة؟! و من ولاهما على هذا الأمر؟! هل المجلس الوطني فعل ذلك، أم هما اللتان أقحمتا نفسيهما؟! و الحال، إنه في كلتي الحالتين لا عُذر للمجلس الوطني. ألا يعلم المجلس الوطني أن السوريين سياديون بالطبيعة، و أنهم يعتبرون أن أي تدخل خارجي في شؤونهم جريمة كبرى؟! أظن أن المجلس الوطني أعماه الكبرياء عن رؤوية الكثير من المسلمات، و أنا واثق أنه سيُصعق بكثير من المفاجآت التي يخبأها له الشعب السوري.

رابعاً، كان أحد أهداف المؤتمر إرضاء العالم الخارجي و ذلك عبر إظهار المعارضة موحدة حول رؤية ناصعة لسوريا الجديدة -الشئ الذي طالما طالبت بها السيدة كلينتون. و لكن المؤتمر فشل في تحقيق ذلك، فالرؤية لم تكن ناصعة، إذ إن البيان الختامي أتى إنشائياً يخلو من الخطوات العملية، ثم إنه لم يكن إلا تكراراً للبيانات الختامية لمؤتمرات المعارضة السابقة. و المعارضة ظهرت مشتتة كما لم تبدو من قبل، فكثيرون أعتذروا عن الحضور، و آخرون إنسحبوا و من بينهم المجلس الوطني الكردي. كل هذا ليدل مرة أخرى على عدم فهم أطياف المعارضة السورية -و بالتحديد المجلس الوطني- لحساسيات بعضها البعض و بالأخص لخصوصية القضية الكردية، و ليظهر مرة أخرى أن هناك بوناً شاسعاً بين ما ينادي به و ما يفعله.

لكل هذا جاء مؤتمر إسطنبول الأخير هزيلاً باهتاً، و لهذا لم تطرب له أفئدة السوريين، و لم تهلل له أقلام الإعلاميين، و لا أظنه أقنع اللاعبين العالميين. و ها نحن ننتظر حلقة أخرى من هذا المسلسل المضني.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق